العودة   منتديات عراقيات النسائي > www.iraqiyat.net || ادبـــيــات || www.iraqiyat.net > القصص والروايات

القصص والروايات جميع القصص والروايات الحزينه والعاطفيه وسوالف الطن طل

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم منذ /31-01-2009   #1
 

ام اينانا

 

 

الصورة الرمزية ام اينانا

 
الملف الشخصي








تم شكرها 7 مرة في 6 مشاركة
الحالة
ام اينانا غير متواجده حالياً


ام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond repute

اوسمة العضوه

الوسام الفضي   مجموع الاوسمة: 1
سلسلة قصص كليلة ودمنة....

اضغطي على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي



سلسلة قصص كليلة ودمنة
قال علي بن الشاه الفارسي: كان السبب الذيمن أجله وضع بيدبا الفيلسوف الهندي لدبشليم ملك الهند كتاب كليلة ودمنة أن الإسكندرذا القرنين الرومي لما انتصر على الملوك الذين كانوا بناحية المغرب سار يريد ملوكالمشرق من فرس وغيرهم. فلم يزل يحارب من نازعه ويواقع من واقعه ويسالم من وادعه منملوك الفرس وهم الطبقة الأولى حتى ظهر عليهم وقهر من ناوأه وتغلب على من عاداهفتفرّقوا طرائق، وتمزقوا خرائق، فتوجه نحو بلاد الصين فبدأ بملك الهند ليدعوه إلىطاعته والدخول في ملته وولايته. وكان على الهند في ذلك الزمان ملك ذو سطوة وبأسومنعة ومراس يقال له فُورَك. فلما بلغه إقبال ذي القرنين نحوه تأهب في التألب عليه،وجمع له العدة في أسرع مدة من الفيلة المفرزة للحروب، والسباع المضرّاة للوثوب معالخيل المسوّمة، والرماح المقوّمة، والسيوف القواطع، والحراب اللوامع.

فلماقرب ذو القرنين من فورك الهندي وبلغه ما قد أعدّ له من الخيل، التي كأنها قطعالليل، مما لم يلقه بمثله أحد ممن كان يقصده من الملوك الذي كانوا في الأقاليمتخوّف من تقصير يقع به إن عجّل المبارزة.

وكان ذو القرنين رجلاً ذا حيلومكايد مع حسن تدبير وتجربة فرأى بعد إعمال الحيلة التأهب والترفق. فاحتفر خندقاًعلى عسكره وأقام بمكانه لاستنباط الحيلة والتدبير في أمره وكيف ينبغي الإيقاع بهذاالملك. فاستدعى بالمنجمين وأمرهم باختيار يوم ووقت تكون له فيه سعادة لملاقاة ملكالهند والنصرة عليه. فاشتغلوا بذلك. وكان ذو القرنين لا يمر بمدينة إلا أخذالمشهورين من صناعها بالحذق من كل صنف. فنتجت له همته ودلته فطنته أن يتقدم إلىالصناع الذين معه بأن يصنعوا له خيلاً من نحاس مجوفة عليها تماثيل من الرجال علىبكرٍ تجري به وإذا دُفعت مرت سراعا. وأمر إذا فرغوا منها أن تحشى أجوافها بالنفطوالكبريت وأن يلبس الفارس آلة الحرب ويقدم ذلك أمام الصف في القلب وقت ما يلتقيالجمعان لتضرم فيها النيران. فإن الفيلة إذا ألقت خراطيمها على الفرسان وهي حاميةجلفت. وأوعز إلى الصّنّاع بالتشمير والفراغ منها. فجدوا في ذلك وعجلوا.

وقربأيضا اختيار المنجمين لليوم. فأعاد ذو القرنين رسله إلى فورَك ملك الهند يدعوه إلىطاعته والإذعان لدولته. فأجاب جواب مُصِرّ على مخالفته مقيم علىمحاربته.

فلما رأى ذو القرنين عزيمته سار إليه بأُهبتِه وقدّم فورك الفيلةأمامه ودفعت الرجال تلك الخيل النحاس وعليها التماثيل كالفرسان فأقبلت الفيلة نحوهاوألقت خراطيمها عليها. فلما أحست بالحرارة ألقت من كان عليها من الرجالة المقاتلةوداستهم تحت أرجلها ومضت مهرولة هاربة لا تلوي على شيء ولا تمر بأحد إلا وطئته. وتقطّع فورك وجمْعه وتبعهم أصحاب الإسكندر وأثخنوا فيهم الجراح. وصاح الإسكندر: ياملك الهند ابرز إليّ وابق على عدتك وعيالك ولا تحملهم على الفناء. فإنه ليس منالسياسة أن يرمي الملك عدته في المهالك المتلفة، والمواضع المجحفة، بل يقيهم بمالهويدفع عنهم بنفسه. فابرز إليّ ودعِ الجند فأينا قهر صاحبه فهو الأسعد.

فلماسمع فورك من ذي القرنين هذا الكلام دعته نفسه إلى ملاقاته طمعاً فيه فسارع إليه وظنذلك فرصة. فبرز إليه الإسكندر فتجالدا على ظهرَيْ فرسهما ساعات من النهار ليس يلقىأحدهما من صاحبه فرصة ولم يزالا يتعاركان. فلما أعيا الإسكندر أمر فورك ولم يجد لهفرصة ولا حيلة أوقع بعسكره صيحة عظيمة ارتجّت لها الأرض والعساكر. فالتفت فوركعندما سمع الزعفة وظنها مكيدة وقعت في عسكره فعاجله ذو القرنين بضربة أمالته عنسرجه وأتبعها بأخرى فوقع إلى الأرض. فلما رأى الجند ما نزل بهم وما صار إليه ملكهمحملوا على الإسكندر فقاتلوه قتالاً شديداً أحبوا معه الموت.

فوعدهم من نفسهبالإحسان ومنحه الله أكتافهم. فاستولى على بلادهم وملّك عليهم رجلاً من ثقاته وأقامبالهند حتى استوثق له ما يريده من أمورهم واتفاق كلمتهم. ثم انصرف من الهند وخلّفذلك الرجل عليهم ومضى متوجهاً نحو ما قصد له.

فلما بعد ذو القرنين عن الهندبجيوشه تغير الهنود عما كانوا عليه من طاعة الرجل الذي خلفه عليهم وقالوا: ليس يصلحللسياسة ولا ترضى الخاصة ولا العامة أن يُملّكوا عليهم رجلا ليس منهم ولا من أهلبيوتهم. فإنه لا يزال يستسفلهم. ثم أجمعوا على أن يُملّكوا عليهم رجلا من أولادملوكهم فملّكوا عليهم ملكاً يقال له دبشليم وخلعوا الرجل الذي ملّكه عليهمالإسكندر.

فلما استقر لهذا الملك واستوثق له الأمر طغى وعتى وتجبر وتكبروجعل يغزو من حوله من الملوك. وكان مع ذلك مظفّراً منصوراً فهابته الملوك وخافتهالرعيّة. فلما رأى ما هو عليه من الملك والسطوة عبث بالرعية واستصغر أمرهم وأساءالسيرة فيهم وكان لا يرتقي حاله إلا ازداد عتواً ومكث على ذلك برهة مندهره.

وكان في زمانه رجل فيلسوف من البراهمة فاضل حكيم يعرف بفضله ويرجعإليه في قوله يقال له بيدبا الفيلسوف. فلما رأى ما عليه الملك من ظلم الرعية فكّرفي وجه الحيلة في صرفه عما هو عليه وردّه إلى العدل والإنصاف، فجمع لذلك تلامذتهوقال: هل تعلمون ما أريد أن أشاوركم فيه؟ قالوا: لا. قال: اعلموا أني أجلت الفكرة،وأطلت العبرة في دبشليم الملك وما هو عليه من الخروج عن العدل ولزوم الشرور ورداءةالسيرة وسوء عشيرته مع الرعية. وإننا نروّض أنفسنا لمثل هذه الأمور إذا ظهرت منالملوك لنرُدّهم إلى فعل الخير ولزوم العدل. ومتى أغفلنا ذلك وأهملناه لزمنا منوقوع المكروه بنا وبلوغ المحذور إلينا ألمُ الجهّال وبلغ إليهم أننا كنا في أنفسهمأجهل منهم وفي عيونهم أقل منهم.

وليس الرأي عنديَ الجلاء عن المواطن وليسيسعنا في الحكمة أن نبقيَ الملك على ما هو عليه من رداءة السيرة وسوء الطريقة. ولايمكننا مجاهدته بغير أسنتنا. ولو ذهبنا لنستعين عليه بغيرنا لما تهيّأت لنا معاودتهولو أحس منها مخالفتنا وإنكارنا لسوء سريرته لكان في ذلك بوارنا. وقد تعلمون أنمجاورة الكلب والسبع والحية والثور للوثوب على طِيبِ الوطن ونضارة العيش تغريرٌبالنفس، وأن الفيلسوف لخليق أن تكون همته إلى ما يحفظ به نفسه من نوازل المكروهولواحق المحذور ويدفع المَخوف لاجتلاب المحبوب. وقد كنت أسمع أن فيلسوفاً كتب إلىتلميذ له يقول له: إن المجاورة للرجال السوء والمصاحبة لهم كراكب البحر إن سَلِم منالغرق لن يسلم من الخوف. فإذا هو أورد نفسه موارد الهلكات ومصادر المَخوفات عُدّ منالبهائم التي لا أنفس لها لأن الحيوان البهيميّ يقد خصّ في طبائعه بمعرفة ما يكتسبفيه النفع ويجتنب المكروه. وذلك أن الحيوانات لم تورد بأنفسها مورداً فيه مهلكهاوأنها متى أشرفت على موردٍ مهلك لها مالت بطبائعها التي ركّبت فيها وتباعدت عنهشحّاً بأنفسها. وقد جمعتكم لهذا الأمر لأنكم أسرتي وموضع سرّي وبكم أعتضد وعليكمأعتمد. فإن الوحيد في نفسه والمنفرد برأيه حيثما كان هو ضائع ولا ناصرله.

والمثل في ذلك أن قنبرة اتخذت أدحية وعششت فيها وباضت على طريق الفيل. وكان للفيل مشربٌ يتردد إليه فمرّ ذات يوم على عادته ليَردَ مورده فوطئ عشّ القنبرةفهشم بيضها. فلما نظرت ما ساءها علمت أن ذلك من الفيل فطارت حتى وقعت على رأسهباكية. وقالت له: أيها الملك لم هشمت بيضي وقتلت أفراخي؟ أفعلت استضعافاً منك وقلّةلي واحتقاراً لأمري؟ فقال الفيل: هو الذي حملني على ذلك. فتركته وانصرفت إلى جماعةمن الطيور فشكت إليهن ما نالها من الفيل. فقلن: وما عسى أن نبلغ منه ونحن طير ضعاف. فقالت للعقائق والغربان: أحب منكن أن تنصرفن معي إليه فتفقأن عينيه فإني بعد ذلكأحتال عليه بحيلة أخرى. فأجبنها إلى ذلك ومضين إلى الفيل فلم يزلن ينقرن عينيه حتىذهبن بهما وبقي لا يهتدي إلى طريق مطعمه ومشربه إلا ما يقمّه من موضعه.

فلماعرفت القنبرة ذلك منه جاءت إلى غدير فيه ضفادع كثيرة فشكت إليهن ما نالها من الفيلفقلن لها: ما حيلتنا نحن في عظم الفيل وأنى نبلغ منه؟ فقالت: أريد أن توافين معيهويّةً تقرب منه فتنقنقن وتضججن بها فإنه إذا سمع أصواتكن لم يشك في الماء فيهويفيها. فأجابتها الضفادع إلى ذلك واجتمعن في الهوية ونقنقن فسمع الفيل نقيقهنّ وقدأجهده العطش، فأقبل حتى وقع في الهوية فارتطم فيها. وجاءت القنبرة ترفرف على رأسهفتقول: أيها الطاغي المغترّ بقوّتك المحتقر لأمري، كيف رأيت عظيم حيلتي في صغر جثتيعند عظيم جثتك وصِغَر همّتك؟

فليُشر كل واحد منكم بما يسنح له من الرأي. فقالوا بأجمعهم: أيها الفيلسوف الفاضل الحكيم العادل، أنت المقدّم فيمنا والمفضّلعلينا، فما عسى أن يكون مبلغ رأينا عند رأيك وفهمنا من فهمك ونحن نعلم أن السباحةفي الماء مع التمساح تغرير والذنب فيه لمن دخل عليه في موضعه. والذي يستخرج السم منناب الحية فيجرّبه على نفسه فليس الذنب للحية. ومن دخل على الأسد في غابته لم يأمنوثبته. وهذا الملك لم تؤدّبه التجارب ولم تقرّعه النوائب ولسنا نأمن عليك وعلىأنفسنا من سورته ومبادرته بسطوته متى لقيته بغير ما تحب مما هو عليه منهمته.

فقال بيدبا: لعمري لقد قلتم فأحسنتم وأجبتم فأبلغتم لكن ذا الرأيالحازم لا بد له أن يشاور من هو دونه أو فوقه في المنزلة. والرأي الفرد لا يُكتفىبه في الخاصة ولا ينتفع به في العامة. وقد صحّ عزمي على لقاء الملك دبشليم، وقدسمعت مقالتكم وبانت ليه نصيحتكم والإشفاق عليّ وعلى أنفسكم. غير أني قد رأيت رأياًوعزمت عزماً فستعرفون نتيجته عند لقاء الملك ومحاورتي إياه، فإذا اتصل بكم خروجي منعنده اجتمعوا إليّ.

ثم إن بيدبا إذن لأصحابه في الانصراف فقاموا بين يديهيدعون له بالسلامة، واختار يوماً للدخول على الملك دبشليم. حتى إذا كان اليومالمختار ألقى عليه مسوحه، وهو لباس البراهمة، وجاء فسأل عن صاحب إذن الملك فأُرشدإليه فأتاه وسلّم عليه وأعلمه أنه رجل قصد الملك في أمر له فيه النصيحة. فدخلفاستأذن له على الملك وكان في ذلك اليوم فارغاً غير مشغول. فأذن له فدخل ووقف بينيديه وكفّر وسجد ثم استوى قائماً وسكت فلم يتكلّم بشيء.

ففكر الملك دبشليمفي سكوته وقال: إن هذا الفيلسوف لم يقصدنا إلا لأحد أمرين: إما ليلتمس منا شيئاًيصلح به حاله أو أمر لحقه فلم يكن له به طاقة ولا وجد عليه مستصرخاً فاعتمصم بنا كييكون له أبلغ نكايةً وأشد عقوبة على ضده. ثم قال: وبعد فليس هذه الحالة من شرطالفيلسوف لأنه وإن كانت الملوك لها فضل في مملكتها فإن الحكماء لهم فضل في حكمتهمأعظم من الملوك، لأن الحكماء أغنياء عن الملوك بالعلم وليس الملوك بأغنياء عنالحكماء بالمال. وقد وجدت العقل والحياء أحق متآلفين لا يفترقان. ومتى فُقِد أحدهمالم يوجد الآخر، كالمتصادقين من الناس وغيرهم إن عَدِم أحدهما صاحبه لم تطب نفسالآخر بالبقاء بعده تأسفاً عليه. ومن لم يستحي من الحكماء ويكرمهم ويعرف فضلهمويصرفهم عن مواقف الذّلة وينزّههم عن المواطن الرّذلة كان ممن حرم عقله وخسر حياتهوظلم الحكماء في حقوقهم وعدّ من الجهّال.

ثم رفع طرفه إلى بيدبا فقال له: إني أنظرك ساكتاً، لا تعبّر عن حاجتك ولا تذكر بغيتك لعلمتُ أن الذي أسكتك إنما هوبليّةٌ ساورتك أو حيلة أدركتك وتبيّنتُ ذلك في طول وقوفك وقلت: لم يكن بيدباليطرقنا من غير عادة إلا لأمري حرّكه، وإنه لمن أفضل زماننا ولا سألته عن سبب دخولهإلينا فإنه لو كان شيء يلتمس فيه الاعتزاز بنا من ضيمٍ ناله كنت أول من أخذ بيدهوسارع إلى تشريفه وأولاه بلوغ مراده. وإن كانت بغيته عرضاً من عروض الدنيا أمرتبإرضائه من ذلك بما يحب. وإن يكن شيء من أمر الملك ما لا ينبغي للملوك أن يبذلوه منأنفسهم ولا ينقادوا إليه نظرت مقدار عقوبته عليه. على أنه لم يكن ليحضرني على إدخالنفسه في باب مسألة الملوك وإن كان شيء من أمور الرعية يقصد به صرف عنايتي إليه نظرتما هو. فإن الحكيم لا يخبر إلا بخير والجاهل يشير بضده. وإني قد فسخت لك الكلام فقلما بدا لك.
فلما سمع بيدبا كلام الملك أفرح روعه وسرّي عنه ماكان وقع في نفسه من الخوف فكفّر له وسجد ثم قام بين يديه وقال: إن أول ما أقول أنأسأل إله بقاء الملك على الأبد، ودوام ملكه على الأمد، فقد جعل في مقامي هذا شرفاًلي على من يأتي بعدي من العلماء وذكراً باقياً على الدهور عند الحكماء إذ أقبلالملك عليّ بوجهه وعطف عليّ بكرمه. والأمر الذي حملني على الدخول إلى الملك ودعانيإلى التعرض لكلامه المخاطرة بالإقدام على نصيحته التي اختصصتُهُ بها دون غيره. وسيعلم من يتصل به ذلك أني لم أقعد عن غاية فيما يجب للملوك على الحكماء. فإن فسحفي كلامي ورعاه عني، فهو حقيق بما يراه في ذلك. وإن ألقاه، فقد بلّغت ما يجب عليّوخرجت عليّ من لوم يلحقني.

فقال الملك: يا بيدبا تكلم فإني مصغ إليك وسامعٌمنك ما تقول، فقل ما عندك لأجازيك عليه بما أنت أهله.

فقال بيدبا: أيهاالملك إني وجدت الأمور التي يختص بها الإنسان من بين سائر الحيوان أربعةً وفيهاجماع كل ما في العالم، وهي الحكمة والعفّة والعقل والعدل. فالعلم والأدب والرويّةداخلة في باب الحكمة. والحلم والصبر والرفق والوقار داخلة في باب العقل. والحياءوالكرم والصيانة والأنفة داخلة في باب العفة. والصدق والمراقبة والإحسان وحسن الخلقداخلة في باب العدل. فهذه هي المحاسن، وأضدادها هي المساوئ. فهي إن كملت في واحد لمتخرجه الزيادة في نعمته إلى سوء حظّ في دنياه أو إلى نقص من عقباه، ولم يتأسف علىما لم يُغنِ التوفيق ببقائه، ولم يحزنه ما تجري به المقادير في ملكه، ولم يندهش عندمكروه يفدحُهُ. والحكمة كنز لا يفنى مع الإنفاق، وذخيرةٌ لا يضرب لها بالأملاق،وحلةٌ لا تخلق جِدّتها، ولذة لا تتصرّم مدتها. إن كنت عند مقامي بين يدي الملكأمسكت عند ابتدائه فإن ذلك لم يكن مني إلا لهيبة منه وإجلال. ولعمري إن الملوك لأهللأن يُهابوا ولا سيما من هو في المنزلة التي حلّ فيها الملك عن منازل الملوكقبله.

وقد قالت الحكماء: الزم السكوت فإن فيه السلامة، وتجنب الكلام الفارغفإن عاقبته ندامة. وحُكي أن أربعة من الحكماء ضمّهم مجلس ملك فقال لهم: ليتكلم كلواحد منكم بكلام يكون أصلا للأدب. فقال الأول: أفضل حلية العلماء السكوت. وقالالثاني: أنفع الأشياء أن لا يتكلم الإنسان حتى يعرف قدر منزلته من عقله. وقالالثالث: أنفع الأشياء للإنسان أن لا يتكلم بما لا يعنيه. وقال الرابع: أروح الأمورللإنسان التسليم للمقادير.

واجتمع في بعض الزمان ملوك الأقاليم من الصينوالهند وفارس والروم وقالوا: ينبغي أن يتكلم كل واحد منا بكلمة تدوّن عنه على غابرالدهر: فقال ملك الصين: أنا على ردّ ما لم أقل أقدر مني على ما ردّ ما قلت. وقالملك الهند: عجبت ممن يتكلم بالكلمة إن كانت له لم تنفعه وإن كانت عليه أوهنته. وقالملك فارس: إذا تكلمتُ بالكلمة ملكتني وإذا لم أتكلم بها ملكتها. وقال ملك الروم: لمأندم قط على ما لم أقل، ولقد ندمت على ما قلت كثيراً. والسكوت عند الملوك أحسن منالهَذَرِ الذي لا يُرجع منه إلى نفع. وأفضل ما استظلّ به الإنسان لسانه.

غيرأن الملك، أطال الله بقاءه، لما أفسح لي في الكلام وأوسع ليه فيه، أول ما أبدأه بهمن الأمور التي هي غرضي أن تكون ثمرة ذلك له دوني، وأختصّه بالفائدة قبلي، على أنّالعقبى فيما أقصد من كلامي له إنما هي نفعه دوني، وشرفه راجع إليه وأكون أنا قدقضيت فرضاَ واجباً علي.

فأقولأيها الملك إنك في منازل آبائك من الملوكوأجدادك من الجبابرة الذين أنشأوا المدن قبلك ودانت لهم الأرض وبنوا القلاع وقادواالجيوش واستحضروا العدة وطالت لهم المدة واستكثروا من السلاح والكراع وعاشوا الدهورفي الغبطة والسرور، فلم يمنعهم ذلك من اكتساب الجميل ولا قطعهم عن اغتنام الشكرفيما خُوّلوه، وحسن السيرة فيما تقلّدوه، مع عظم ما كانوا فيه من عزة الملك وسكرةالاقتدار.

فإنك أيها الملك السعيد جدّه، الطالع في الكواكب سعده، قند ورثتأرضهم وديارهم وأموالهم التي كانت عندهم فأقمْتَ فيما خوّلك الله من الملك وورثتَالأموال والجنود، فلم تقم في ذلك بحقّ ما يجب عليك ولا أدّيت المفترض على الملوكإذا أفضى المُلك إليهم، بل طغيت وبغيت وعتوت وعلوت على الرعية وأسأت السيرة وعظمتمنك البلية. وكان الأَولى والأشبه بك أن تسلك سبيل أسلافك وتتبع آثار الملوك قبلكوتقفوَ محاسن ما أبقَوه لك وتقلع عما عارُهُ لازم لك وشينُهُ واقع بك، وتحسن النظرفي رعيتك وتسنّ لهم سنن الخير الذي يبقى بعدك ذركه، ويعقبك فخره، ويكن ذلك أبقى علىالسلامة وأدوم على الاستقامة. فإن الجاهل من استعمل في أموره البطر والأمنيّة،والحازم اللبيب من ساس المُلك بالمداراة والرفق. فانظر أيها الملك ما ألقيتُ إليه،ولا ييقُلنّ عليك، فإني لم أتكلم بهذا ابتغاء غرضٍ تجازيني به ولا التماس معروفتكافئني عليه، ولكني أتيتك مشفقاً ناصحاً لك.

فلما قضى بيدبا مقالته، وأنهىمناصحته، ارتعب قلب الملك فأغلظ له الجواب استصغاراً لأمره، وقال: لقد تكلمت بكلامما أظن أحداً من أهل مملكتي يقدر أن يستقبلني بمثله ويقدم على ما أقدمت عليه، فكيفأنت مع صغر شأنك وضعف منفعتك وعجز قوتك. وقد احتملت على أن تجيبني بمثل هذا الكلامالذي ليس لأحد أن يخاطبني به. ولقد كثر إعجابي من إقدامك وتسلطك بلسانك فيما جاوزتفيه حدّك. وما أجد شيئاً في تأديب غيرك أبلغ من التنكيل بك. ففي ذلك عبرة وموعظةلمن عساه أن يروم من الملوك ما رُمت إذا أوسعوا لهم في مجالستهم.

ثم إنالملك أمر أن يقتل ويصلب. فلما مضوا به فيما أمرهم أمر بإعادته فأحجم عنه ثم أمربحمله إلى السجن، فحُمل مقيّداً. ثم وجّه في طلب تلامذته ومن كان يجتمع إليهليودعهم في محبسه فهربوا في البلاد واعتصموا بجزائر البحار. ومكث بيدبا في محبسهأياماً كثيرة لا يسأل الملك عنه، ولا يلتفت إليه، ولا يتجاسر أحدٌ أن يذكره عنده. حتى إذا كانت ليلة من الليالي سَهِد فيها الملك سهداً شديداً ومدّ إلى الفلك بصرهففكر في تنقله وحركات الكواكب فيه، فغرق في الفكر فسلك به إلى استنباط شيء عرض لهمن أمور الفلك والمسألة عنه. فتذكر عند ذلك بيدبا وتفكّر فيما كلّمه به وارعوى لذلكوقال في نفسه: لقد أسأت فيما صنعت بهذا الفيلسوف وضيّعت واجب حقه وحملني على ذلكسرعة الغضب. فإنه قيل: لا ينبغي أن يكون الغضب في الملوك، فإنه أجدر الأشياء مقتاًلأن صاحبه لا يزال ممقوتاً، والبخل فإنه ليس بمعذور مع ذات يده، والكذب فإنه ليسأحد يجاوزه، وعدم الرّفق في المجاورة فإن السّفه ليس من شأنها. وإني أتيت إلى رجلنصيح لي ولم يكن ثلاّباً فقابلته بضدّ ما كان مستحقاً وكافأته بخلاف ما يستوجب، وماكان ذلك جزاءه مني، بل الواجب أن أسمع كلامه وأنقاد لمشورته.

ثم أنفذ منساعته من يأتيه به. فلما مثل بين يديه قال له: يا بيدبا ألست الذي قصدت إلى تقصيرهمتي وعجّزت رأيي فيما تكلمت به آنفا؟ قال بيدبا: يا أيها الملك السعيد إن ماأنبأتك به فيه صلاح لك ولرعيتك وفيه دوام ملكك.

فقال له الملك: أعد عليّ ماقلت ولا تدع منه حرفاً واحداً إلا جئت به. فجعل بيدبا ينشر كلامه والملك مصغ إليه. وجعل كلما سمع كلامه ينكت الأرض بشيء كان في يده. ثم رفع رأسه إليه وأمره بالجلوسفجلس. ثم قال له: يا بيدبا إني قد استعذبت كلامك وحسن موقعه من قلبي وأنا ناظر فيالذي أشرتَ به وعاملٌ عليه. ثم أمر بقيوده ففكّت، وألقى عليه من لباس الملوك،وتلقاه بالقبول.

فقال بيدبا: أيها الملك، إن في دون ما كلّمتك به ناحيةلمثلك. فقال الملك: صدقت أيها الحكيم الفاضل، ولقد ولّيتك في مجلسي هذا جميعمملكتي. فقال له بيدبا: أيها الملك اعفني من هذا الأمر فإني غير مضطلع بتقويمه إلابك. فقبل ذلك منه وأغفاه.

فلما انصرف علم أن الذي فعله ليس برأي فبعث إليهواستردّه وقال له: إني فكرت في إعفائك فيما عرضته عليك فوجدت أنه لا يقوم إلا بكولا ينهض به غيرك، ولا يستطيع له سواك ولا يتخالفني فيه. فأجابه بيدبا إلىذلك.

وكان من عادة الملوك في ذلك الزمان إذا ألبسوا وزيراً أن يعقد على رأسهتاج ويركب في أهل المملكة ويطاف به في مدينة الملك. فأمر دبشليم أن يُفعل ببيدباذلك، فوُضع التاج على رأسه وركب ودار في المدينة ورجع وجلس في مجلس العدل والإنصافوأخذ للضعيف من القوي وردّ الظالم، ووضع سنن العدل. والتصل الخبر بتلامذته فأتوه منكل ناحية مستبشرين بما ناله من الملك من الأخذ والعطاء والبذل، وشكروا الله تعالىعلى توفيق بيدبا في إزالة دبشليم عما كان عليه من سوء السيرة، واتخذوا ذلك اليومعيداً يعيّدون فيه. فهو إلى يومنا ثابت في بلادهم.

ثم إن بيدبا خلا فكره منأشغاله بدبشليم وتفرّغ من السياسة فعمل كتباً كثيرة فيها من دقيق الحيل. ومضى الملكعلى ما رسم بيدبا من حسن السيرة والعدل في الرعية فرغب إليه الملوك الذين كانوا فينواحيه وانقادت له الأمور على استوائها وفرحت به رعيته وأهل مملكته.

ثم إنبيدبا جمع تلامذته ووعدهم وعداً جميلاً وقال لهم: لست أشك أنه وقع في نفوسكم وقتدخولي على الملك أن قلتم إن بيدبا قد ضاعت حكمته وبطلت فكرته إذ عزم على الدخول إلىهذا الجبّار الطاغي. فقد علمتم نتيجة رأيي وصحة فكري، وإني لم آت الملك جهلاً بهلأني كنت أسمع ما يقال: إن الملوك لها سكرةً كسكرة الشبان. فلا يفيق الملوك منسكرتهم إلا مواعظ العلماء وأدب الحكماء. ويجب على الحكماء تأديب الملوك بألسنتهاوتقويم حكمتها وإظهار الحجة البيّنة اللازمة لما هم عليه من الاعوجاج والخروج عنالعدل. فوجدت ما قالت العلماء فرضاً واجباً على الحكماء لملوكهم ليوقظوهم عن سِنَةسكرتهم، كالطبيب الذي يجب عليه في صناعة الطب حفظ الأجساد وردّها إلى الصحة. فكرهتأن يبقى وأموت فيكون ذلك حسرة عليّ وعليكم وما يبقى على الأرض إلا من يقول كانبيدبا الفيلسوف في مدة دبلشيم الملك فلم يردّه عما كان عليه.

فإن قال قائل: إنه لم يمكّنه كلامه خوفاً على نفسه، قالوا: إن الهرب منه ومن جواره أولى به،والانزعاج عن الوطن شديد. فرأيت أن أجود بحياتي فأكون قد أتيت فيما بيني وبينالحكماء بعدي عذراً. فحملت نفسي على التغرير أو الظفر بما أريد وكان في ذلك ما أنتممعاينوه. فإنه يقال في بعض الأمثال إنه لم يبلغ أحد مرتبة إلا بإحدى ثلاث: إمابمشقة تناله في نفسه وإما بوضيعة في ماله أو بوكَسٍ في دينه. ومن لم يركب الأهواللم ينل الرغائب. ثم إن الملك مكث على حسن السيرة زمناً طويلاً وبيدبا يتولى ذلكويتقدم به.

ثم إن دبشليم لما استقرّ له الملك وسقط عنه النظر في أمور الرعيةوالنظر في الأعداء ومحاربتهم إذ قد كفاه بيدبا ذلك، صرف همته إلى النظر في الكتبالتي وضعتها فلاسفة الهند لآبائه وأجداده، وأحبّ أن يكون في الخزانة كتاب باسمه. وعلم أن ذلك لا يقوم به إلا بيدبا فدعاه وخلا به وقال له: يا بيدبا إنك حكيم الهندوفيلسوفها وإن فكرت ونظرت في خزائن الحكمة التي كانت الملوك قبلي جميعها فلم أرأحداً إلا وقد وضع له كتاب يذكر فيه اسمه وأيامه وسيرته وينبئ عنه وعن أدبه وأهلمملكته. ومنه ما وضعته الملوك لأنفسها ولذلك بانت حكمتها، ومنه ما وبضعته حكماؤها. وإني خفت أن يلحقني ما لحق أولئك مما لا حيلة ليه فيه وهو الموت ولا يوجد لي فيخزانتي كتاب يذكره الملوك بعدي وأذكَر فيه وأنسب إليه كما ذكر من كان قبلي بكتبهم. وقد أحببت أن تصنع لي كتاباً بليغاً تستفرغ فيه عقلك، يكون ظاهره سياسة للعامةوتأديبها، وباطنه لأخلاق الملوك وسياستها للرعية على طاعة الملك وخدمته فيسقط بذلكعني وعنهم كثير مما يحتاج إليه في معاناة المُلك. وأريد أن يبقى لي هذا الكتابذكراً على غابر الدهر.

فلما سمع بيدبا كلامه خرّ له ساجداً ثم رفع رأسهوقال: أيها الملك السعيد جدّه، علا نجمك وغاب نحسك ودامت أيامك. إن الذي قد طُبععليه الملك من جودة القريحة ووفور العقل ينبهه لذلك ويحرّكه لمعالي الأمور التيسُمعت به فتعلو همّته إلى أشرف المنزلة وأبعدها غاية، فأدام الله تعالى سعادة الملكوأعانه على ما عزم عليه فأعانني على بلوغ مراده. وليأمر الملك بما شاء من ذلك فإنيصائرٌ إلى غرضه ممهّد فيه الرأي.

قال له الملك: لم تزل يا بيدبا معروفاًبعقد الرأي المبارك بطاعة الملوك في أمرهم وقد اختبرت ذلك منك واخترت أن تضع هذاالكتاب وتجهد فيه نفسك وتعمل فيه بغاية ما تجد إلي السبيل. وليكن مشتملاً على الجدوالهزل واللهو والحكمة والفلسفة ليفرغ الحكيم ذهنه لما فيه من حكمة، وتشرح المعانيصدره لما فيه من لهو.

فكفّر له بيدبا وسجد وقال: أجبت الملك لما أمرني به منذلك وجعلت بيني وبينه أجلاً. قال الملك: وكم هو يا بيدبا؟ قال: سنةٌ. قال: لقدأجّلتك يا بيدبا. وأمر له بجائزة سنيّة يستعين بها على عمل الكتاب كما رسم لهالملك.

ثم إن بيدبا أخذ يتذكر أياماُ في الأخذ في ابتداء الكتاب وفي أي صورةيبتدئ به وعلى أي وضع يضعه وعلى أي جنس يرسمه. وجمع تلامذته وقال لهم: إن الملك قدندبني لأمر فيه فخري وفخركم وفخر بلادكم إلى الأبد، وقد جمعتكم لهذا الأمر. إنالملك دبشليم قد بسط لساني في أن أضع له كتاباً فيه من ضروب الحكمة. ثم وصف لهم ماأشار إليه الملك منأمر الكتاب والغرض الذي قصده في نظمه وترتيبه. وقال لهم: فليضعكل واحد شيئاً في أي فنّ شاء وليعرضه عليّ لأعرف مقدار عقله وأين بلغ من الحكمةفهمه.

قالوا بأجمعهم: أيها الحكيم الفاضل واللبيب العاقل والذي وهب كل مامنحك من الحكمة والعقل والصيانة (وهو الله تعالى)، ما خطر هذا في قلوبنا ساعة قطوأنت رئيسنا وفاضلنا بك شرفنا وعلى يديك انتعاشنا، ولكن سنجهد أنفسنا فيما أمرت. فلم يقع لهم الفكر في ما تقدم به الملك.

فلما لم يجد عندم ما يريد فكّر بفضلحكمته، وعلم أن ذلك أمر إنما يتم باستفراغ الفكر وإعمال العقل. وقال: أرى السفينةلا تجري في البحر إلا بأمر الملاحين لأنهم يعدلونها، وإنما تقطع اللجة وتسلك البحربمدبّرها الذي تفرّد بإمرتها، ومتى ثقلت بالركّاب وكثر ملاحوها لم يؤمن عليهاالغرق.

ثم لم يزل يفكر في رسم الكتاب حتى وضعه على الانفراد بنفسه مع رجل منتلامذته كان يثق بعقله. فخلا به قعد أن أعد من الورق شيئاً كثيراً ومن القوت مايقوم به وبتلميذه مدة سنة، ثم احتبسا في مقصورة وردّا عليهما الباب. ثم بدأ بيدبافي نظم الكتاب على غاية منها قائم بنفسه. وفي كل باب مسألة والجواب عنها، ليكون فيههحظ لمن نظر في الأبواب، وسماه كتاب كليلة ودمنة. وجعل الكلام على ألسن البهائموالسباع والوحش والطير ليكون ظاهره لهواً للعامة وباطنة سياسة للخاصة، متضمنا مايحتاج الإنسان إليه من أمر دينه ودنياه وآخرته على حسن طاعة الملوك ومجانبة ما تكونمجانبته خيراً له. ثم جعله ظاهراً وباطناً كسائر كتب الحكمة، فصارت صور الحيواناتفيه لهواً وما نطقت به حكما وأدباً.

ولما ابتدأ بيدبا بذلك جعل أول الكتابوصف الصديق، كيف يكون صديقان وكيف يقطع المودة الثابتة بينهما ذو الحيلة والنميمة. فأمر تلميذه أن يكتب على لسانه ما كان الملك شرط عليه. وذكر بيدبا أن الحكمة متىدخلها كلام الغفلة أفسدها واستجهلت حكمتها.

ثم إن بيدبا وقع له موضع الهزلمن الكتاب فرسمه، وموضع الجد فأثبته. فجاء الكتاب على لسان البهائم. وكانت الحكمةما نطقوا به فترك العقلاء الظاهر من ذلك واشتغلوا بما فيه من الحكم والآداب. وأماالجهّال فلم يعلموا السبب فيما وُضع لهم وأظهروا عجباً من محاورة بهيمتين فاتخذوهلهواً وعجزوا عن معنى الكلام أن يفهموه، ولم يعلموا الغرض الذي وُضع لهم لأنالفيلسوف كان غرضه في الباب الأول أن يُخبر عن تواصل الإخوان وكيف تتأكد بينهمالمحبة بالتحفّظ من أهل السّعاية والتحرّز عن بُرقُع العداوة والقطيعة بينالمتحابين بالكذب ليجرّ الساعي بذلك نفعاً إلى نفسه.

فلما تم الكتاب وتمالأجل أنفذ الملك دبشليم إلى بيدبا أن قد جاء الوعد فماذا صنعت؟ فأنفذ إليه بيدبا: إني على ما وعدت الملك فليأمرني لأحمله إليه بعد أن يجمع أهل مملكته لتكون قراءتيلهذا الكتاب بحضرتهم.

فلما رجع الرسول إلى الملك دبشليم سُرّ بذلك سروراًعظيماً ووعده يوماً يجمع أهل مملكته فيه. ثم نادى في أقصى بلاد الهند ليحضروا قراءةالكتاب. فلما كان اليوم واجتمع الناس أمر الملك أن يُنصب له سرير ولبيدبا سرير.

وحضروا، وقام بيدبا وعليه ثياب الحكمة التي كان يلبسها إذا دخل على الملوكوهي المسوخ السود. فلما دنا من الملك كفّر له وسجد له فلم يرفع رأسه.

فقالله الملك: يا بيدبا رفع رأسك فليس هذا يوم نحيب، هذا يوم سرور وشكر. ثم سأله حينقرأ الكتاب عن معنى كل باب وأيّ شيء قصده فيه، فأخبره بغرضه فيه وقصده في كل بابفازداد به سروراً ومنه تعجّباً وقال له: يا بيدبا ما عدوت ما كان في نفسي، وهذاالذي كنت أطلب، فتمنّ ما شئت وتحكّم. فدعا له بالسعادة وقال: أيها الملك، أما المالفلا حاجة لي فيه، وأما الكسوة فلا أختار سوى لباسي هذا، ولست أخلي الملك من حاجةإذا عرضت. فقال الملك: وما حاجتك الآن، فكل حاجة لك قبلنا مقضيّة. فقال: أسأل الملكأن يأمر بتدوين كتابي هذا كما دوّن آباؤه وأجداده كتبهم وان يأمر بالاحتياط عليه،فإني أخاف أن يخرج من بلاد الهند فيتناوله أهل فارس إذا علموا به فيذهب، والآن لايخرج من بيت الحكمة. ثم دعا الملك بتلامذته فخلع عليهم وأمر لهمبالجوائز.

ثم إنه لما ملك كسرى أنو شروان، وكان مستبشراً بالكتب في العلموالأدب رُفع إليه خبر هذا الكتاب فلم يقرّ له قرارٌ حتى بعث برزويه الطّبيب فاحتالوتلطّف حتى أخرجه من بلاد الهند فأقرّه في خزائن فارس.
يتبع
اضغطي على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي



||اَخر مواضيع ~ ام اينانا :

0 اصول بعض العشآئر العراقية ..دمج موضوعين ام اينانا + Miss Perfume
0 الافندي .. الافندي .. عيوني الافندي ..)
0 جنين يخرج يده من بطن امـــه !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
0 قصة واقعية اعجبتني...
0 الفرق بين امتحــــان الله

  رد مع اقتباس
قديم منذ /31-01-2009   #2
 

ام اينانا

 

 

الصورة الرمزية ام اينانا

 
الملف الشخصي








تم شكرها 7 مرة في 6 مشاركة
الحالة
ام اينانا غير متواجده حالياً


ام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond repute

اوسمة العضوه

الوسام الفضي   مجموع الاوسمة: 1
افتراضي

باب بعثة كسرى لبرزويه إلى بلاد الهند

قالبزرجمهر في ذلك: أما بعد فإن الله تبارك وتعالى خلق خلقه أطواراً برحمته ومنّ علىعباده بفضله ورزقهم ما يقدرون به على إصلاح معايشهم في الدنيا وما يدركون بهاستنقاذ أرواحهم من أليم العذاب. فأفضل ما رزقهم ومنّ عليهم به العقل الذي هو قوةٌلجميع الأحياء. فما يقدر أحد منهم على إصلاح معيشةٍ ولا إحراز منفعة ولا دفع ضر إلابه وكذلك طالب الآخرة المجتهد على استنقاذ روحه من الهلكة. فالعقل هو سبب كل خيرومفتاح كل رغبة وليس لأحد غنىً عنه. وهو مكتسب بالتجارب والآداب وغريزة مكنونة فيالإنسان كامنة ككمون النار في الحجر والعود لا تُرى حتى يقدحها قادح من غيرها. فإذاقدحها ظهرت بضوئها وحريقها. كذلك العقل كامن في الإنسان لا يظهر حتى يظهره الأدبوتقويه التجارب، فإذا استحكم كان هو السابق إلى الخير والدافع لكل ضر. فلا شيء أفضلمن العقل والأدب. فمن منّ عليه خالقه بالعقل وأعان هو على نفسه بالمثابرة على أدبوالحرص عليه سعد جده وأدرك أمله في الدنيا والآخرة.

وقد رزق الله ملكنا هذاالسعيد الجد أنو شروان من العقل أفضل الرزق ومن النصيب أجزله وأعانه على ما رزق منذلك بحسن الأدب والبحث عن العلم وطلب التفسير لجميع علوم الفلسفة والاستنباط عماغاب، والتخير للصواب مما ظهر، فبلغ في ذلك ما لم يبلغه ملك قط ممن كان قبله منالملوك.

وكان فيما يطلب من العلم ويبحث عنه أنه بلغه أن كتاباً من كتب الهندعند ملوكهم وعلمائهم نفيس مخزون وهو أصل كل أدب ورأس كل علم والدليل على كل منفعةومفتاح طلب الآخرة والعمل للنجاة من هولها والمقوي لما يحتاج إليه الملوك لتدبيرملكهم ويصلحون به معايشهم وهو كتاب كليلة ودمنة.

فلما تيقن ما بلغه عن ذلكالكتاب وما فيه من منافع تقرية العقل والأدب لم يطمئن بالاً ولم يسكن حرصاً علىاستفادته والنظر فيه وفي عجائبه. وكان رجلاً عاقلاً أديباً. فسأهل أهل مملكته أنيختاروا رجلاً عاقلاً أديباً عالماً ماهراً بالفارسية والهندية حريصاً على العلممجتهداً في استكمال الأدب مثابراً على النظر والتفسير لكتب الفلسفة فيؤتى به. فطلبالرجل حتى ظفروا به فأتي برجل شاب جميل ذي حسب كامل العقل والأدب، صناعته التي يعرفبها الطب وكان ماهراً بالفارسية والهندية يسمى برزويه.

فلما دخل عليه سجد لهثم قام مكفّراً فقال له الملك: يا برزويه إني قد اخترتك لما بلغني عن فضلك وعقلكوحسن أدبك وحرصك على طلب العلم حيث كان. وقد بلغني عن كتاب للهند مخزون بخزائنهم. وقصّ عليه قصته وأخبره بما بلغه عنه وعظيم رغبته فيه وأمره بالجهاز للخروج في طلبهوأن يتلطف بعقله ورفقه وحسن أدبه لاستخراج ذلك الكتاب من خزائنهم ومن قبل علمائهمإما مكتوباً بالفارسية فيستنقذه له هو وغيره من الكتب التي ليست في خزائنه ولا فيملكه.
وأمر أن يحمل معه من المال ما أراد، فإن نفذ قبل أنيصير إلى حاجته كتب إليه ليمدّه من المال ما أحب وإن كثر. وقال: لا تقصّر في طلب كلعلم فليست النفقة عوضاً من الفائدة ولو أحاط بجميع ما في خزائني. وأمر المنجمين أنيتخيروا له يوماً يسير فيه وساعة صالحة. فخرج وحمل معه من المال عشرين ألفدينار.

ولما قدم برزويه على أرض ذلك الملك وتخلل مجالس الأسواق وسأل عنقرابة الملك والأشراف وعن العلماء والفلاسفة جعل يغشاهم في منازلهم ويتلقاهمبالتحية والمساءلة على باب الملك ويخبرهم أنه رجل غريب قدم بلادهم في طلب العلموالأدب، وأنه محتاج إلى معونتهم على ما طلب من ذلك ويسألهم إرشاده إلى حاجته. ومعشدة كتمانه لما قدم له لم يزل في ذلك زماناً طويلاً يتأدب بما هو أعلم به ويتعلم منالعلوم ما هو ماهر فيه. واتخذ لطول إقامته إخواناً كثيرين من أهل الهند من الأشرافوالسوقة ومن العلماء وأهل كل صناعة واختص من جماعتهم رجلا يسمى أدويهْ وجعله صاحبسره ومشورته لما ظهر له من حسن علمه وفضل أدبه وصحة إخائه ومحض مودته. وكان يستشيرهفي جميع الأمور إلا أنه كان يكتمه الأمر الوحيد الذي يعنيه. وكان يألوه باللطفلينظر هل يراه موضعاً لإطلاعه على سره.

فلم يزل يبحث عن ذات نفسه حتى وثق بهوعرف أنه لما استودع من السر موضع وفيما طلب منه مجمّل وبما سئل مشفّع وفيما استعانبه عليه مجتهد، فازداد له إلطافا. وكان إلى ذلك اليوم الذي رجا أن يكون قد بلغ فيهحاجته قد أعظم النفقة مع طول الغيبة في استلطاف الأصدقاء ومجالستهم على الطعامومنادمتهم على الشراب لطلب الثقات منهم. فلم يطمئن لأحد ممن آخاه إلى لصديقه الذيذكرناه. وكان ممك حكّم به برزويه صديقه ذلك والذي رد عليه وكيف فتّش عقله حتى وثقبه واطمأن إليه أن قال له وهما خاليان: يا أخي ما أريد أن أكتمك من أمري شيئاً فوقما كتمتك. فاعلم أني لأمري ما جئت وهوغير ما تراه يظهر مني. والعاقل يكتفي من الرجلبالعلامات من نظره وإشارته بيده لكي يعلم سر نفسه وما يضمر في قلبه.

قال لهالهندي: إني وإن لم أكن بدأتك وأخبرتك بماله جئت وإياه طلبت وإليه قصت وإنك تكتمأمراً تطلبه وأنت مظهر غيره، فإنه لم يكن ليخفى عني ولكن لرغبتي في إخائك كرهت أنأواجهك به فإنه قد ظهر لي ما تكتم، وقد استبان لي ما أنت فيه وما تخفيه عني. فأماإذا فتحت الكلام فأنا مخبرك عن نفسك ومظهرر لك سريرة أمرك ومعلمك حالك الذي قدمتله. فإنك قدمت بلادنا لتسلبنا كنوزنا النفيسة فتذهب بها إلى بلادك لتسر بها ملكك. وكان قدومك بالمكر ومصادقتك بالخديعة ولكني رأيت من صبرك ومواظبتك على طلب حاجتكوتحفظك أن تسقط في طول مكثك عندنا بكلام يستدل به على سر أمرك فازددت رغبة في عقلكوأحببت إخاءك فلا أعلم أني رأيت رجلاً أرصن عقلاً ولا أحسن أدباً ولا أصبر على طلبحاجة، ولا أكتم للسر منك، ولا أحسن خلقاً ولا سيما في بلاد الغربة ومملكة غيرمملكتك، وعند قوم لم تكن تعرف شيمهم وأمرهم. واعلم أن عقل الرجل يستبين في هذهالثماني الخصال: الأولى الرفق والتلطف، والثانية أن يعرف الرجل نفسه فيحفظها،والثالثة طاعة الملوك وأن يتحرّى ما يرضيهم، والرابعة معرفة الرجل موضع سره كيفينبغي أن يطلع عليه صديقه، والخامسة أن يكون على أبواب الملوك أديباً حيّلاً ملقاللسان، والسادسة أن يكون لسره وسر غيره حافظاً، والسابعة أن يكون على لسانه قادراصفلا يفلظ من الكلام إلا ما قد تروّى فيه وقدّره فلا يطلع عليه إلا الثقة، والثامنةأن لا يتكلم إذا كان من المحفل عما لم يسأل عنه ولا يقول ما لم يستقينه ولم يظهر منالأمر ما يندم عليه. فمن اجتمعت فيه هذه الخصال كان هو الداعي إلى الخير والربحوالمجتنب الشر والخسران. وهذه الخصال كلها بينة ظاهرة فيك واضحة لي منك، فاللهيحفظك ويمتعني بمودتك. ومن اجتمعت فيه هذه الخصال الثماني كان أهلاً أن يشفع فيطلبته ويسعف بحاجته ويعطى سؤله. ولكن حاجتك التي تطلب قد أرعبتني وأدخلت عليّالوحشة والخشية فنسأل الله السلامة.

فلما عرف برزويه أن الهندي قد علم أنمصادقته إياه كانت مكراً وختلاً لطلب حاجته وأنزل ذلك منه منزلة اختلاس وسلب فلميزجره ولم ينتهره ولكنه ردّ رداّ لينا كرد الأخ على أخيه باللين والإشفاق حتى اطمأنووثق بقضاء حاجته. ثم قال للهندي: إني قد كنت هيّأت كلاماً كثيراً ووضعت له أصولاًوشعّبت فيه شعاباً وشجّنت له شجوناً وأنشأت له أغصاناً وأطرافاً. فلما اكتفيت بهفعرفت باليسير أُبتُ عما كنت قد اختلقته فسلم الله لك في العقل والأدب فكفيتنيمؤونة الكلام وحزت الجواب باليسير من القول والإسعاف بالحاجة كما قد بدا لي منك. فإن الكلام إذا انتهى إلى العلماء والسر إذا استودع اللبيب الحافظ ثبت وبلغ غايةأمل صاحبه قوياً ثابتاً كثبات القصر الذي أحكم أساسه بالصخور، وكالجبل الذي لاتزعزعه الرياح ولا تزلزله.
قال الهندي: لا شيء أفضل من المودة، فمن خلصت مودّتهكان أهلاً أن يخلطه الرجل بنفسه ولا يذّخر عنه شيئاً مما عنده. ورأس الأدب حفظ السرفإذا كان السر عند الأمين الحافظ فهو موضعه مع أنه خليق أن لا يكتم وأن لا يكون سرالأن السر إذا تكلم به لسانان صار إلى ثلاثة فشاع في الناس، حتى لا يستطيع صاحبه أنيجحده، كالغيم إذا كان متقطعاً فقال أحد إن هذا غيم متقطع، لم يكذبه أحد على ذلك بليصدقه كل من يراه متقطعا. وأما أنا فقد اشتدّ سروري وابتهاجي بمودتك ومخالطتك. وهذاالأمر الذي تطلبه مني سر ليس بمكتتم ولا بد أن يفشو في المجالس. فإذا فشا وعلن هلكتنفسي هلاكاً لا أقدر على الخلاص منه بالفداء بمال وإن كثر لأن ملكنها فظّ غليظّيعاقب على الطفيف فكيف على مثل هذا.

فقال برزويه: إن العلماء مدحت الصديقإذا كتم سر صديقه، وهذا الأمر الذي له قدمت إياك اعتمدت به ولك أفشيته ومنك أرجوالحاجة، وهو أمر جسيم وخطره عندي عظيم وأنا واثق بعقلك ولطفك وحسن تأتّيك وحيلتك فيدركي ما أمّلته على يديك وبيمنك وبركتك وإن مسّتك في ذلك مشقة من خشية. وأنا أعلمأنك آمن من قبلي أن أطلع عليه أحداً ولكنك تتقي أهل بلادك المطيفين بالملك أنيشيّعوا ذلك. وأرجو أن لا يشيع لأني ظاغن وأنت مقيم وما أقمت فليس بيننا ثالث وإذارحلت عنك أمنت نفسك أن تفشيه عليك.

وكان الهندي خازن الملك وبيده مفاتيحخزانته فأعطاه حاجته من الكتب. فلما وقف برزويه على مطلوبه أخذ في نسخ كليلة ودمنةوتفسيره وأقام على ذلك زماناً طويلاً. ثم عظمت فيه نفقته ومؤونته وأنصب في بدنهوسهر فيه ليلة ودأب فيه نهاره وهو على خوف من نفسه. فلما فرغ من ذلك الكتاب وممارغب من سائر الكتب وأحكممها كتب إلى أنو شروان يعلمه بما لقي من النصب والروع وأنهقد فرغ من حاجته.

فلما انتهى الكتاب إلى أنو شروان وقرأه وعلم أنه قد فزع منحاجته فرح فرحاً شديداً ثم تخوف معالجة المقادير أن تنغّص عليه فرحه وينقض سرورهوأمر بالكتاب إلى برزويه يسأله أن لا يعرج عن القدوم وأن يبسط أمله بما جدد له منحسن رأي الملك فيه، وأنه مفضله ومتخذه وزيراً وأن يبادر الأجل ويعزم على الصبر فإنعاقبته إلى خير ونجاة في الدنيا والآخرة.

ووجه بالكتاب مع بعض ثقاته معالبريد وأمره أن يسير في غير الجادة حذر أن يوجد فيفشو ما كان أسرّ فيذهب كل ما كانعمل ضلالاً.

فلما انتهى الرسول إلى برزويه دفع الكتاب إليه سرا. فلما قرأهتجهز للسفر وسار حتى قدم إلى أنو شروان. فأخبر بقدومه فأمر بإدخاله عليه. فلما رأىما أصابه من التعب والنصب رقّ له وقال: أبشر أيها العبد الصالح فستأكل حلاوة ثمرةنصيحتك فقرّ عيناً فقد استوجبت الشكر من جميع الرعية وعظيم المكافأة منا وننزلكأفضل المنازل وأشرفها. وأمره أن يريح نفسه وبدنه سبعة أيام ثم يأتيهذلك.

فلما كان الثامن دعا به وأمر أن يحضر العظماء والأشراف. فلما اجتمعواوعنده برزويه أمر بإحضار الكتب التي قدم بها من الهند ففتحت وقرئ ما فيها على رؤوسالأشهاد. فلما حكوها على ألسن الحيوان والطير فرحوا فرحاً شديداً وشكروا الله علىما منّ به عليهم على يد برزويه. وأحسنوا الثناء عليه في إنصاب بدنه واستخراج الكتبلهم وإفادتها إياهم.

ثم أمر الملك بعد ذلك أن تفتح لبرزويه خزائن الجوهروالذهب والفضة والكسوة وأقسم عليه الملك إلا دخل وأخذ ما أحب منها وأن لا يقصر فإنذلك كله ليس بعوض مما أفاده. فسجد برزويه للملك ودعا له ثم قال: أكرم الله الملككرامة يجمع له بها شرف الدنيا والآخرة وأحسن جزاءه، فقد أغناني الله بحسن رأي الملكعن جميع عروض الدنيا بما وهب الله لي على يديك أيها الملك العظيم الخطير الكريمالخلق السعيد الجد. ولا حاجة لي إلى المال ولكن لسروري بموافقة الملك سيدي واتباعمسرّته آخذ من كسوة الملك تختاً من طراز قوهستان أتجمل به في خدمة الملك وعلىبابه.

فأخذه وذهب به إلى منزله ليفاخر مَن بباب الملك من أهل بيته وخاصته ثمقال: أصلح الله الملك وأكرمه. إن الإنسان إذا كان ذا عقل وأدب فأكرم وأعطي وأحسنإليه وجب عليه أن يشكر ذلك، وإن كان قد استوجبه قبل أن يعطاه. فأنا للملك شاكر أسألالله له دوام السرور والغبطة في جميع الأمور. ولي أعز الله الملك حاجة هي أعظمالحوائج عندي وأكملها لدي وأشرفها قدراً عندي بعد رضا الملك. فإن رأى الملك أنيشفعني بحاجتي ويعطيني سؤلي فإنها يسيرة على الملك وعظيمة القدر والموقع مني. قالأنو شروان كسرى: سل تعط ما أحببت واشفع تشفع واذكر حاجتك تسعف بها وتكرم، فإن جزاءكعندنا عظيم. ولو سألت الشركة في الملك لم نردّ طلبتك فكيف ما سوى ذلك. فقل فإن جميعما تسأل مبذول لك وحباً وكرامة.

قال برزويه: أكرم الله الملك وأحسن عنيجزاءه فلست أمنّ على الملك بنصبي وعنائي. فله الفضل علي بما عوّضني وشركني في هذهالفائدة. والملك بكرمه وفضل رأيه قد كافأني وأحسن إلي فليعظّم المنّة على عبدهباستتمام النعمة إليه وإلى أهل بيته ويشرّفه بأن يأمر بزرجمهر ابن البختكان وزيرهويعزم عليه أن يجهد نفسه في وضعه باباً يذكر فيه أمري وحالي ويبالغ في ذلك بأحسنالكلام وأزين الذكر وأحسن التأليف، ويأمر بذلك الباب إذا فرغ منه أن يضعه بين تلكالأبواب التي في الكتاب ليحيا به ذكري ما حييت في الدنيا وبعد وفاتي، فإنه إن فعلذلكبي فقد شرّفني وأهل بيتي إلى آخر الأبد ما دام هذا الكتاب منشوراً في الدنيايُقرأ.

فلما سمع الملك وعظماؤه مقالته عجبوا من عقله ومما *** إليه رأيه وماطلب من الشرف الدائم في الدنيا. وقال الملك: أنت أهل أن تشفع بطلبك فما أيسر ماطلبت في جنب ما تستوجب وإن كان عندئذ عظيم الخطر.

فأرسل الملك إلى وزيرهبزرجمهر من ساعته فقال له: فقد علمت مناصحة برزويه وتحرّيه لمسرّتنا ومرضاتناوركوبه الهول والمخاوف في حاجتنا، وإنصابه نفسه وبدنه فيما يسرّنا وما أصبنا علىيديه من العقل والحكمة، وما عرضنا عليه لكي نعوضه من ذلك، فلم يقبل ورضي منا بالأمراليسير. فإني جزاء له وكرامة أحب أن نشفعه في ذلك. ويسرني أن نجتهد في قضاء حاجتهوأن تُكتب باباً مشابهاً لتلك الأبواب التي في ذلك الكتاب وتذكر فيه فضل برزويهوكيف كان بدء أمره وشأنه وطبّه وصناعته وأدبه وترفّعه من ذلك إلى بعثتنا إياه إلىالهند بأفضل ما تجد من المدح في الكلام بما تسرّني به وتسرّه وجميع أهل المملكة. فإنه يستحق ذلك منا ومنك خاصة لعظيم مجبتك الأدب والعلم وأهله. فإن اجتهادك في ذلكوترتيبه راجع فضله إليك. وكلما نظر فيه أحد من العلماء كنت شريك برزويه في ذلكالذكر. واجعل ذلك الباب أول الأبواب. فإذا أنت فرغت من ذلك الباب ووضعته موضعهفأرنيه حتى أجمع العظماء والأشراف والعلماء فتقرأه على رؤوسهم ليظهر لهم من علمكوأدبك واجتهادك في مسرّتنا ما خفي عليهم.

فلما سمع برزويه مقالة الملك وعظيممنزلته عنده خرّ له ساجداً وقال: أدام الله لك أيها الملك السرور والفرح وقرةالعين، ورزقك من الشرف في الدنيا ما تفوق به جميع المخلوقين، وفي الآخرة أفضلالمنازل مع الصالحين في جنات النعيم.

فخرج بزرجمهر من عند الملك فأخذ في وضعذلك الباب ووصف أمر برزويه من أول ما دفعه أبواه في التعليم إلى أن بعثه الملك إلىالهند، وجاء به بأحسن ما يقدر عليه من الوصف وما عرف به من أدب برزويه وسيرته منأول ما عرفه، وما ظهر للناس من استحقاره الدنيا وزهده فيها ورغبته في الآخرة، ولميترك من اخلاق برزويه وطبائعه شيئاً إلا ذكره بأحسن ما يقدر عليه بتأليف ونسق محكم. ثم أعلم الملك بفراغه منه وأنه قد وضعه في أول الكتاب وهو باب برزويهالمتطبب.

فجمع أنو شروان العظماء والأشراف فدخلوا عليه ودعا بزرجمهر والكتاببمحضر من برزويه فقرئ على رؤوس الأشهاد. ففرح الملك بذلك وبما أوتي بزرجمهر منالعقل والعلم وبما اجتهد في مدح بزرجمهر من العقل والعلم وبما اجتهد في مدح برزويهمن غير كذب ولا ادعاء باطل في المدح. فأمر له بجائزة عظيمة من المال والحليوالثياب، فلم يأخذ إلا كسوة كانت من ثياب الملك خاصة. وشكر له برزويه وقبّل رأسهويده، وأقبل برزويه على الملك يشكره فقال: أدام الله لك أيها الملك والكرامةوالجمال في الدنيا والآخرة بما أكرمتني به وأعظمت عليّ المنّة به من تشريفي بالجزاءوأفضل وأكمل ما جازى به أحد من خلقه وأعانني الله على تأدية شكرك ومبلغ رضاكوطاعتك، وعمّرك أقصى ومنتهى غاية ما عمّر به أحداً من آبائك في أفضل السرور وأعمالعافية، ووصل ذلك بجزيل شرف الآخرة ورضوان الرب. إنه على ذلك قدير. وجزى اللهبزرجمهر بن البختكان خير الجزاء وأحسن عني مكافأته.

فقد عجز لساني عن تأديةشكر الملك وشكره ولو أطنبت بكل ثناء وشكر. والله وليّ ذلك والقادر عليهوالسلام.
باب برزويه

قال برزويه رأس أطباء فارس وهو الذي تولى انتساخ هذا الكتاب وترجمته من كتب الهند: إن أبي كان من المقاتلة وكانت أمي من عظماء بيوت الزمازمة وكان مما ابتدأني به ربي أني كنت من أكرم ولد أبويّ عليهما، وكان لي أشد احتفالاً منهما لسائر إخوتي، وأنهما أسلماني في تعليم الكتّاب حتى بلغت في العلم، فلما حذقت الكتابة شكرت أبويّ ونظرت في العلم، وكان أول علم رغبت فيه علم الطب فحرضت عليه حتى إذا حصّلت منه جانباً عرفت فضله وازددت عليه حرصاً وله اتباعاً. فلما بلغت فيه إلى أن أدمنت نفسي على مداواة المرضى هممت بذلك في الناس قولاً وعملاً. ولما تاقت نفسي إلى ذلك ونازعت إلى أن تغبط غيري وتتمنى منازلتهم أبيت لها إلا الخصومة وقلت: يا نفس ألا تعرفين نفعك من ضرّك، ألا تنتهين عن تمنّي ما لا يناله أحد إلا قلّ متاعه وكثر عناؤه فيه وخباله عليه واشتدّت البلية عليه عند فراقه وعظمت التبعة منه عليه بعده.

يا نفس ألا تذكرين ما بعد هذه الدار فينسيك ذلك ما تشرهين إليه من هذه الدار. ألا تستحين من مشاركة العجزة الجهّال في حب هذه العاجلة الفانية التي من كان في يده منها شيء فليس له وليس بباق معه والتي لا يألفها إلى المغترّون الغافلون. فانصرفي عن هذه النسبة وأقبلي بقوتك وما تمليكن على تقديم الخير والأجر ما استطعت، وإياك والتسويف. واذكري أن لهذا الجسد وجوداً وآفات وأنه مملوءة أخلاطاً فاسدةً قذرة يجمعها لمنافع أربعة أخلاطٍ متغالبة تغمرهن الحياة. والحياة إلى نفاذ كاللصنم المفصّلة أعضاؤه إذا ركّبت تلك الأعضاء وصنّفت في مواضعها جمعها مسمارٌ واحد يمسك بعضها على بعض، فإذا أخذ المسمار تساقطت الأوصال.

يا نفس لا تغتري بصحبة أحبائك وأخلائك ولا تحرصي على ذلك كل الحرص فإن صحبتهم على ما فيها من السرور كثيرة الأذى والأحزان، ثم يختم ذلك بعاقبة الراق. ومثله مثل المغرفة التي لا تستعمل في سخونة المرق في جدتها. فإذا انكسرت صارت عاقبة أمرها إلى أن تحرق بالنار. فأمرت نفسي وخيّرتها الأمور الأربعة التي إياها يطلب الناس وإليها يسعون فقلت: ينبغي لمثلي في مثل العلم أن يطلب أيها أفضل: المال أم اللذات أم الصّون أم أجر الآخرة.

فاستدللت على الخيار من ذلك أني وجدت الطب محموداً عند العقلاء، ولم أجده مذموماً عند أحد من أهل الأديان والملل. ووجدت في كتب الطب أن أفضل الأطباء من واظب على طبه لا يبتغي بذلك إلا أجر الآخرة. فرأيت أن أواظب على الطب ابتغاء أجر الآخرة ولا أبتغي بذلك ثمناً وأكون كالتاجر الخاسر الذي باع ياقوتة كان مصيبا بثمنها غنى الدهر بخرزة لا تساوي شيئا. مع أني قد وجدت في كتب الأولين أن الطبيب الذي يبتغي بطبه أجر الآخرة لا ينقصه ذلك من حظه في الدنيا وأن مثله في ذلك مثل الزارع الذي إنما يحرث أرضه ويعمرها ابتغاء الزرع لا ابتغاء العشب، ثم هي لا محالة نابت فيها ألوان العشب.

فأقبلت على مداواة المرضى. فلم أدع مريضا أرجو له البرء ولا آخر لا آرجو له البرء إلا أني أطمع له في خفة الوجع والأذى إلا بلغت في مداواته جهدي. ومن قدرت على القيام قمت عليه ومن لم أقدر على القيام عليه وصفت له وأمرته وأعطيته ما يتعالج به من الدواء ولم أرد على ذلك أجرة ولا مكافأة. ولم أغبط من نظرائي ومن هو مثلي في العلم وفوقي من المال والجاه أحداً لغير ذلك ممن له صلاح وحسن سيرة.

يا نفس لا يحملنك أهلك وأقاربك على جميع ما تهلكين في جمعه إرادة لصلتهم ورضاهم فإذا أنت كالدخنة الطيبة التي تحرق بالنار ويذهب بعرفها آخرون.

يا نفس لا تغتري بالغنى والمنزلة التي ينظر إليها أهلها، فإن صاحب ذلك لا يبصر صغير ما يستعظم حتى يفارقه فيكون كشعر الرأس الذي يخدمه صاحبه ما دام على الرأس فإذا فارق رأسه استقذره ونفر منه.

يا نفس داومي على مداواة المرضى ولا تقلعي عن ذلك أن تقولي للطب مؤونة شديدة والناس لها ولمنافع الطب جهال. ولكن اعتبري برجل يفرج عن رجل كربه ويستنقذه منه حتى يعود بعده إلى ما كان فيه من الروح والسعة ما أخلقه لعظم الأجر وحسن الثواب. فإن كان الذي يفعل هذا برجل واحد يرجو ذلك كله فكيف الطبيب الذي يداوي العدة التي لا يعلمها إلا الله ابتغاء الأجر، فيصيرون بعد الأوجاع والأسقام الحائة بينهم وبين الدنيا ولذتها ونعيمها وطعامها وشرابها وأزواجها وأولادها إلى أحسن ما كانوا يكونون عليه من حال دنياهم. إن هذا لخليق أن يعظم رجاؤه ويثق بحسن الثواب على عمله.

يا نفس لا يبعدن عليك أمر الأخرة فتميلي إلى العاجلة فتكوني في استعمال القليل وبيع الكثير باليسير كالتاجر الذي زعموا أنه كان له ملء بيت من الصندل فقال: إن بعته موزونا طال علي، فباعه جزافاً بأخس الأثمان.

فلما خاصمت نفسي بهذا وآخذتها به وبصّرتها إياه لم تجد عنه مذهباً فاعترفت وأقرّت ولهت عما كانت تنزع إليه، وقامت على مداواة المرضى ابتغاء أجر الآخرة. فلم يمنعني ذلك أن أصبت حظا عظيما من الملوك قبل أن آتي الهند، وبعد رجوعي إلى ما نلت من الأكفاء والإخوان فوق الذي كان طمعي فيه وتجمح إليه نفسي وفوق ما كنت له آهلا.

ثم نظرت في الطب فوجدت الطبيب لا يستطيع أن يداوي المريض من مرضه بدواء يزيل عنه داءه فلا يعود إليه أبداً وغيره من الأدواء. والداء لا يؤمن عوده أو أشد منه. ووجدت عمل الآخرة هو الذي يسلم من الأدواء كلها سلامة فلا تعود إليه بعد ذلك فاستخففت في الطب ورغبت في الدين.

فلما وقع ذلك في نفسي اشتبه علي أمر الدين ولم أجد في الطب ذكراً لشيء من الأديان ولم يدلّني على أهداها وأصوبها. ووجدت الأديان والملل كثيرة من أقوام ورثوها عن آبائهم وآخرين خائفين مكرهين عليها وآخرين يبتغون بها الدنيا ومنزلتها ومعيشتها، وكلهم يزعم أنه على صواب وهدى فاستبان لي أنهم بالهوى يحتجون وبه يتكلمون لا بالعدل. وقد وجدت آراء الناس مختلفة وأهواءهم متباينة وكلاً على كل راد وله عدو ومغتاب ولقوله مخالف.

فلما رأيت ذلك لم أجد إلى متابعة أحد منهم سبيلاً وعلمت أني إن صدّقت منهم أحدا بما لا علم لي به أكن مثل المصدق المخدوع...


يتبع
اضغطي على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي



||اَخر مواضيع ~ ام اينانا :

0 اصول بعض العشآئر العراقية ..دمج موضوعين ام اينانا + Miss Perfume
0 الافندي .. الافندي .. عيوني الافندي ..)
0 جنين يخرج يده من بطن امـــه !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
0 قصة واقعية اعجبتني...
0 الفرق بين امتحــــان الله

  رد مع اقتباس
قديم منذ /31-01-2009   #3
 

ام اينانا

 

 

الصورة الرمزية ام اينانا

 
الملف الشخصي








تم شكرها 7 مرة في 6 مشاركة
الحالة
ام اينانا غير متواجده حالياً


ام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond repute

اوسمة العضوه

الوسام الفضي   مجموع الاوسمة: 1
افتراضي

مثل المصدّقالمخدوع

زعموا أنه ذهب سارق حتى علا بيت رجل منالأغنياء ليلاً ومعه أصحابٌ له فاستيقظ صاحب البيت فأحسّ بهم، وعرف أنهم لم يعلواظهر البيوت تلك الساعة إلا لريب، فنبّه امرأته وقال لها رويداً، إني لأحسّ باللصوصقد علوا ظهر بيتنا فإني متناومٌ، فأيقظيني بصوت يسمعه مَن فوق البيت ثم نادي: ياصاحب البيت ألا تخبرني عن أموالك هذه الكثيرة وكنوزك من أين جمعتها. فإذا أبيت عليكفألحّي في السؤال. ففعلت المرأة ذلك وسألته كما أمرها واستمع اللصوص حديثهما فقالالرجل: يا أيتها المرأة قد ساقك القدر إلى رزق كثير فكلي واسكتي ولا تسألي عما لوأخبرتك به لم آمن أن يسمعه سامع فيكون في ذلك ما أكره وتكرهين. قالت المرأة: أخبرنيأيها الرجل فلعمري ما يقربنا أحد يسمع كلامنا. قال: فإني أخبرك أني لم أجمع هذهالأموال وهذه الكنوز إلا من السرقة. قالت: وكيف جمعت هذه الأموال وهذه الكنوز منالسرقة وأنت في أعين الناس عدل رضاً لا يتهمك أحد ولم يرتب بك.

قال: ذلكلعلم أصبته في علم السرقة فكان الأمر أوفق وأيسر من أن يتهمني أحد ويرتاب بي. قالت: وكيف ذلك؟ قال: كنت أذهب في الليلة المقمرة ومعي أصحابي حتى أعلوا ظهر البيت الذيأريد أن أسرق أهله وأنتهي إلى الكوّة التي يدخل منها ضوء القمر فأرقي بهذه الرقية "شولم شولم" سبع مرات ثم أعتنق الضوء فأنهبط به إلى البيت فلا يحس بوقعتي أحد، ثمأقوم في أصل الضوء فأعيد الرقية سبع مرات فلا يبقى في البيت مال ولا عِلقٌ إلا بدالي وأمكنني أن أتناوله فآخذ من ذلك ما أحببت. ثم أعتنق الضوء وأعيد الرقية سبع مراتفأصعد إلى أصحابي وأحملهم ما معي ثم ننسلّ.

فلما سمع اللصوص ذلك فرحوا فرحاًشديداً وقالوا: لقد ظفرنا من هذا البيت بما هو خير لنا من المال الذي نحن مصيبوهمنه، لقد أصبنا علما أذهب الله به عنا الخوف وأمّننا من السلطان. ثم أطالوا المكثحتى استيقنوا في أنفسهم أن صاحب البيت وامرأته قد ناما، فتقدم رئيسهم إلى مدخلالضوء من الكوة ثم قالك "شولم شولم" سبع مرات، ثم اعتنق الضوء لينزل به كما زعمفوقع في البيت منكّساً، ووثب الرجل بهراوة فضربه حتى أثخنه ثم قال له: من أنت؟ قال: أنا المصدق المخدوع وهذه ثمرة التصديق.

فلما تحرّزت من التصديق بما لا آمنأن يوقعني في الهلكة عدت للبحث عن الأديان والتماس العدل منها، فلم أجد عند أحدجواباً عما سألته عنه ولا فيما ابتدأني به شيئاً يحق عليّ في عقلي أن أصدق بهفأتبعه. فقلت لما لم أجد ثقة آخذ منه فالرأي أن أتبع دين آبائي الذين وجدتهم عليه. فلما ذهبت ألتمس العذر لنفسي في ذلك لم أجد الثبوت على دين الآباء لي عذرا وقلت: إنكان هذا عذراً، فالساحر الذي وجد أباه ساحراً في عذر مع أشباهه، وذلك مما لا يحتملهالعقل. وذكرت رجلاً كان فاحش الأكل يُعاب ذلك عليه فاعتذر بأن قال: هكذا كان يأكلآبائي وأجدادي.

فلم أجد على الثبوت على دين الآباء سبيلاً ولا في ذلك عذراًورأيت التفرع للبحث عن الأديان مشكلاً تخوفت قرب الأجل وسرعة انقطاع الأمل، فقلت: أما أنا فلعلي أفارق الدنيا وشيكاً دون صالح الأعمال فيشغلني ترددي عن خير كنتأعمله ويكون أجلي دون بلوغ ما ألتمس به فيصيبني مثل الخادم والرجل.
مثل الخادموالرجل

زعموا أن رجلاً تواطأ مع خادم في بيتلأحد الأغنياء على أن يأتي البيت في كل ليلة يغيب صاحبه فيعطيه شيئاً من متاع سيدهفيبيعه ويتشاطرا ثمنه. فاتفق ذات يوم أن غاب أهل البيت وبقي الخادم وحده فأنفذفأخبره الرجل فأقبل. وفيما هما يجمعان المال إذ قرع الباب وعاد رب البيت على بغتة. وكان للبيت باب آخر لم يكن يعلمه الرجل وبقربه جبّ ماء. فقال الخادم للرجل: أسرعواخرج من الباب الذي عند الجب.

فانطلق الرجل ووجد الباب لكنه لم يجد الجبفرجع إلى الخادم وقال له: أما الباب فوجدته، وأما الجب فلم أجده. فقال الخادم: ويحكانجُ بنفسك ولا تكترث للجبّ. قال الرجل: كيف أذهب وقد خلطت عليّ فذكرت الجب وليسهناك. قال الخادم: دع عنك الحمق والتردد وفرّ عاجلاً. فلم يزل ينازعه حتى دخل ربالبيت فأخذه وأوجعه ضرباً ثم دفعه إلى السلطان.

فلما خفت من التردد والتجوالرأيت أن لا أتعرض لما خفت من ذلك وأن أقتصر على كل عمل تشهد الأنفس على أنه صحيحوتوافق عليه الأديان. فكففت يدي عن الضرب والقتل والغضب والسرفة والخيانة وحصّنتنفسي من الفجور وحفظت لساني من الكذب ومن كل كلام فيه ضرر على أحد، وكففت لساني عنالشتم والعضيهة والخنا والبهتان والغيبة والسخري.

والتمست من قلبي بأن لاأتمنى لأحد سوءاً ولا أكذب بالبعث والقيامة الثواب والعقاب. وزايلت الأشرار بقلبيولزمت الصلحاء والأخيار جهدي. ورأيت الصلاح ليس كمثله صاحب ولا قرين ورأيت مكسبهإذا وفّق له وأعان عليه يسيراً ووجدته أحنّ على صاحبه وأبرّ من الآباء والأمهات. ووجدته يدل على الخير ويشير بالنصح فعل الصديق بالصديق، ووجدته لا ينقص إذا أنفقمنه صاحبه بل يزداد على الاستعمال والابتذال جدة حسنة. ووجدته لا خوف عليه منالسلطان أن يسلبه ولا من شيء من الآفات، لا من الماء أن يغرّقه ولا من النار أنتحرقه ولا من اللصوص أن تسرقه ولا من شيء من السباع وجوارح الطير أن تمزقه. ووجدتالرجل الذي يزهد في الصلاح وعاقبته ويلهيه عن بذلك قليل ما هون فيه من حلاوةالعاجل، إنما مثله فيما أنفذ فيه أيامه ويلهيه على ما ينفعه كمثل التاجر والضارببالصنج.
مثل التاجر والضارببالصَّنج

زعموا أن تاجراً كان له جوهرٌ كثيرٌثمينٌ، فاستأجر رجلا لثقبه وحمله بمئة دينار ليومه ذلك. فانطلق به إلى بيته، فلماقعد إذا هو بصنج موضوع في ناحية البيت فقال التاجر لصاحبه: هل تضرب بالصنج؟. قال: وفوق ذلك. قال: فدونك. فتناول الرجل الصنج وكان به ماهراً فلم يزل يُسمعه من صوتجيد وصوت مصيب حتى أمسى وترك سفط جوهره مفتوحاً واقبل على الضرب واللهو. فلما أمسىقال الرجل للتاجر: مُرْ بأجرتي. فقال: ما عملت شيئاً فتأخذ أجرته.

قال: عملت ما أمرتني أن أعمل. فوفاه مئة دينار وبقي جوهره غير مثقوب.

فلم أزدد فيالدنيا وشهواتها نظراً إلاّ ازددت فيها زهادة فرأيت أن أعتصم بالتألّه والنسك ورأيتالنسك يمهّد للمعاد كما يمهّد للولد أبواه ورأيته كالجنة الحريزة في دفع الشرالدائم الباقي، ورأيته الباب المفتوح إلى الجنة دار النعيم. ووجدت الناسك إذا فكّرتعلوه السكينة، فإذا تواضع وقنع واستغنى ورضي فلا يهم إذ خلع الدنيا فنجا من الشرورورفض الشهوات فصار طاهراً وانعزل فكُفي الأحزان وطرح الحسد، فظهرت عليه المحبة وسختنفسه عن كل فانٍ فاستكمل العقل وأبصر العاقبة فأمن الندامة ولم يذنب فسلم. فلم أزددفي أمر النسك نظراً إذا ازددت فيه رغبة حتى هممت أن أكون من أهله.

ثم تخوّفتألا أصبر على عيش النساك وأن تضر بي العادة التي بها ربيت وغذيت ولم آمن إن أناخلعت الدنيا وأخذت في النسك أن أضعف عن ذلك وأكون قد رفضت أعمالاً كنت أعملها قبلذلك مما أرجو عائدتها، فيكون مثلي في ذلك كمثل الكلب الذي مرّ بنهر وفي فيه ضلعفرأى ظلّ الضّلع في الماء فأهوى ليأخذه فأهلك الذي كان في فيه ولم ينل الذي طمعفيه. فهبت النسك هيبة شديدة وخفت على نفسي الضجر وقلة الصبر وأردت الثبوت على حالتيالتي كنت عليها.

ثم بدا لي أن أقيس بين ما أخاف وما أصبر عليه من الأذىوالضيق في النسك وبين الذي يصيب صاحب الدنيا من البلاء فيها، وكان بيّنا عندي أنهليس من شهوات الدنيا ولذاتها شيء إلا هو متحول أذى ومورث حزنا. فالدنيا كالماءالمالح الذي ما يزداد صاحبه منه شرباً إلا ازداد عطشاً. وكالعظم يصيبه فيجد فيه ريحاللحم فلا يزال يلوكه لطلبه ذلك اللحم فيدمي فاه ثم لا يزداد له طلباً إلا ازدادلفيه إدماء. وكالحدأة التي تظفر بالبضعة من اللحم فيجتمع عليها الطير فلا تزال فيتعب وهرب حتى تلفظ ما معها وقد أعيت وتعبت. وكالقلّة من العسل في أسفلها موت ذعاف. وكأحلام النائم التي تفرحه فإذا استيقظ انقطع الفرح عنه. وكالبرق الذي يضيء قليلاًويذهب وشيكاً ويبقى راجيه في الظلام مقيماً. وكدودة الإبريسم لا يزداد الإبريسم علىنفسها لفاً إلا ازدادت من الخروج منه بعداً.

فلما فكّرت في هذه الأمور راجعتنفسي في اختيار النسك ثم خاصمتني فقلت: ما يجوّز هذا لي أن أفرّ من الدنيا إلىالنسك إذا فكّرت في شرورها، ثم أفر من النسك في الدنيا إذا تذكّرت ما فيه من المشقةوالضيق فلا أزال في تصرف لا أبرم رأياً ولا أعزم على أمر كالقاضي الذي سمع من أولالخصمين فقضى له على الآخر ثم سمع الآخر فقضى له على الأول.

ونظرت في الدنيايهولني من أذى النسك وضيقه فقلت: ما أصغر هذا وأقله في جنب روح الأبد وراحته. فنظرتفيما تشره إليه النفس من لذة الدنيا فقلت: ما أمرّ هذا وأوخمه وهو يدفع إلى الشروهوانه. وقلت: كيف لا يستحليالرجل مرارة قليلة تعقبها حلاوة طويلة وكيف لا يستمرحلاوة قليلة تؤديه إلى مرارة كثيرة دائمة. وقلت: لو أن رجلاً عرض عليه أن يعيش مئةسنة لا يأتي عليه من ذلك يوم إلا قطّع فيه قطعا، ثم أحيي، ثم أعيد عليه مثل ذلك غيرأنه شرط له إذا استوفى المئة سنة نجا من كل ألم فليس يكون حقيقاً إذا صار إلى الأمنوالسرور ألاً يرى تلك السنين شيئاَ.

أو ليس الإنسان يتقلب في عذاب الدنيا منحين مولده إلى أن يستوفي أيام حياته، فإذا كان جنينا في بطن أمه كان في أضيق الحبوسوأظلمها. وإذا وقع على الأرض فأصابته ريح أو لمسته يد وجد لذلك من الألم ما لا يجدهالإنسان الذي قد سُلخ جلده. ثم هو في ألوان من العذاب إذا جاع وليس به استغاثة مهمايلقى من الرفع والوضع واللف والحل والدهن. وإذا نوّم على ظهره لم يستطع تقلّباً معأصناف من العذاب ما دام رضيعاً.

فإذا انقلت من عذاب الرضاع أخذ في عذابالأدب فأذيق منه ألواناً من عنف المعلم وضجر الدرس وسأم الكتابة. ثم له من الدواءوالحمية والأوجاع والأسقام أوفى حظ. فإذا أدرك لحقه هم الأهل وجمع المال وتربيةالولد ولعب به الشره والحرص ومخاطرة الطلب والسعي. وفي كل هذا تتقلب معه أعداؤهالأربعة، أي المرّة والدمة والبلغم والريح والسم المميت والحيّات اللادغة مع خوفالسباع والهوام وخوف الحر والبرد والأمطار والرياح. ثم ألوان العذاب من الهرم لمنيبلغه. فلوم لم يخف من هذه الأمور شيئاً وشرط له بالأمن من ذلك كله فوثق بالسلامةمنها فلم يعتبر إلا في الساعة التي يحضره فيها الموت ويفارق فيها الدنيا وما هونازل به تلك الساعة من فراق الأهل والأحبة والأقارب وكل مضنون به من الدنياوالإشراف على هول المطّلع الفظيع المعضل بعد الموت، لكان حقيقاً أن يعدّ عاجزاًمفرّطاً محتملاً للإثم إن لم يعمل لنفسه ويحتل لها جهد حيلته، ويرفض ما يشغلهويلهيه من شهوات الدنيا وغرورها لا سيما في هذا الزمان الشبيه بالصافي وهوكدر.

فإنه وإن كان الملك قد جعله الله سعيداً ميمون النقيبة حازم الرأي رفيعالهمة بليغ الفحص، عدلا براً جواداً صدوقاً شكوراً، رحب الذراع متفقداّ للحقوقومواظباً مستمراً فهماً نفاعاً ساكناً بصيراً حليما رؤوفاً رحيماً رفيقاً، عالماًبالناس والأمور، حباً للعلم والعلماء والأخيار، شديداً على الظلمة، غير جبان ولاخفيف القيادة، رفيقاً بالتوسع على الرعية فيما يحبون والدفع عنهم لما يكرهون، فإناعلى ذلك قد نرى الزمان مدبراً بكل مكان. فكأن أمر الصدق قد تورعت من الناس فأصبحمفقودا ما كان غزيراً فقده وموجوداً ما كان ضاراً وجوده. وكأن الخير أصبح ذابلاًوأصبح الشر ناضراً. وكأن الغيّ أقبل ضاحكا وأدبر الرشد باكياً، وكأن العدل أصبحغائراً وأصبح الجور غالباً، وكأن الكرم أصبح مدفوناً وأصبح الجهل منشوراً، وكأناللؤم أصبح أشراً وأصبح الكرم موطوءاً، وكأن الودّ أصبح مقطوعاً والبغضاء والحسدموصولاً، وكأن الكرامة قد سلبت من الصالحين وتوخى بها الأشرار، وكأن الخبّ أصبحمستيقظاً والوفاء نائماً، وكأن الكذب أصبح مثمراً والصدق قاحلاً يابساً، وكأن العدلولّى غائراً وأصبح الباطل مرحاً، وكأن اتباع الهوى وإضاعة الحكم أصبح بالحكماء،موكّلا وأصبح المظلوم بالخسف مقراً والظالم لنفسه مستطيلا، وكأن الحرص أصبح فارغاًفاه من كل جهاد يتلقفه ما قرب منه وما بعد وأصبح الرضا مفقوداً مهجولا، وكأنالأشرار أضحوا يسامون السماء وأصبح الأخيار يريدون مطبق الأرض، وأصبحت المروءةمقذوفاً بها من أعلى شُرفٍ إلى أسفل سافلين، وأصبحت الدناءة مكرّمة ممكّنة، واصبحالسلطان منتقلاً من أهل الفضل إلى أهل النقص، وأصبحت الدنيا جذلة مسرورة مرحةمختالة تقول: غيّبت الحسنات وأظهرت السيئات.

فلما فكّرت في الدنيا وأمورهاوأن هذا الإنسان هو أشرف الخلق وأفضله فيها، ثم هو على منزله لا يتقلّب إلا في شرولا يوصف إلا به، وعرفت أنه ليس من أحد له أدنى عقل إلا وهو يعقل هذا ثم لا يحتاطلنفسه ولا يعمل لنجاتها. فعجبت من ذلك كل العجب ونظرت فإذا هو لا يمنعه من ذلك إلالذة صغيرة حقيرة طفيفة من الشم والطعم واللمس، لعله يصيب منها لطيفاً أو يتمنى منهاطفيفاً لا يوصف قله مع سرعة انقطاع. فذلك الذي يشغله عن الاهتمام بأمر نفسه وطلبالنجاة لها.
مثل الرجلوالتنين

فالتمست للإنسان في ذلك مثلاً فإذا مثلهمثل رجل ألجأه خوف إلى بئر فتدلى فيها وتعلق بغصن بأعلى شفيرها فوقعت رجلاه علىعمدها فنظر فإذا هي حيات أربع قد أطلعن رؤوسهن من أحجاهن. ونظر إلى أسفل البئر فإذاهو بتنين فاغر فاه نحوه. ورفع رأسه إلى الغصن فإذا هي أصله جرذان أبيض وأسود يقرضانالغصن دائبين لا يفتران. فبينما هو في النظر والاجتهاد لنفسه وابتغاء الحيلة فيذلك، إذ نظر فإذا قريب منه نحلٌ قد صنعن شيئاً من العسل فأراد أن يأكل منه قليلافشغل قلبه عن التفكر في أمره والتماس حيلة ينجي بها نفسه فنسي أن يذكر الجرذينالدائبين في قطع الغصن، وأنها إذا قطعاه وقع ف فِي التنين، فلم يزل لاهياً غافلاًحتى هلك.

فشبهت البئر بالدنيا المملوءة إفكاً وبلايا وشرورا ومخاوف. وشبهتالحيات الأربع بالأخلاط الأربعة التي هي في بدن الإنسان. فمتى ما هاج منها شيء كانكحمة الأفعى والسم المميت. وشبهت الجرذين بالليل والنهار. وشبهت قرضهما للغصندائبين دور الليل والنهار في إفناء الأجل الذي هو حصن الحياة. وشبهت التنين بالموتالذي لا بد منه. وشبهت العسل بهذه الحلاوة القليلة التي يرى الإنسان ويشم ويطعمويسمع ويلمس فتشغله عن نفسه وتنسيه أمره وتلهيه عن شأنه وتصرفه عن سبل النجاة. فصارأمري إلى الرضا بما لي وإصلاح ما استطعت إصلاحه من عملي لعلي أصادف فيما أماميزماناً أصيب فيه دللاً على هداي وسلطاناً على نفسي وأعواناً على أمري، فأقمت علىهذه الحال، وانصرفت من الهند إلى بلادي وقد انتسخت من كتبها كتبا كثيرة منها هذاالكتاب.
مثل المكتشفالكنز

ومن استكثر من جمع العلوم وقراءة الكتب منغير إعمال الروية فيما يقرأه كان خليقاً أن لا يصيبه إلا كما أصاب الرجل الذي زعمتالعلماء أنه اجتاز ببعض المفاوز فظهرت له آثار كنوز، فجعل يحفز ويطلب فوقع على شيءكثير من عين وورق، فقال في نفسه: إن أخذت في نقل هذا المال كان إخراجي له قد قطعنيالاشتغال بنقله عن اللذة بما أصيب منه، ولكن استأجر قوماً يحملونه إلى منزلي وأكونأنا آخرهم ولا أبقي ورائي قوماً يحملونه إلى منزلي وأكون أنا آخرهم ولا أبقي ورائيشيئاً أشغل فكري بنقله، وأكون قد استظهرت في إراحة بدني عن الكد بيسير أجرة أعطيهالهم. ثم جاء بالحمالين فجعل يسلّم إلى كل واحد منهم ما يقدر على حمله ويقول له: اذهب به إلى منزلي. فينطلق به الحمّال إلى منزل نفسه فيغدر به، حتى إذا لم يبق منالكنز شيء انطلق إلى منزله فلم ير فيه من المال شيئاً ووجد كل واحد من الحمالين قدفاز بما حمله لنفسه، ولم يكن له من ذلك العناء والتعب لأنه لم يفكر في آخرأمره.
مثل الجوز الصحيح والصحيفةالصفراء

وكذلك من يقرأ هذا الكتاب ولم يعلم غرضهظاهراً وباطناً لم ينتفع بما بدا له من خطّه ونقشه، كما لو قدّموا لرجل جوزاّصحيحاً لم ينتفع به إلا أن يكسره وينتفع بما فيه. وكان كالرجل الذي طلب علم الفصيحفرسم له بعض أصدقائه صحيفة صفراء فيها فيصيح الكلام وتصاريفه ووجوهه، فانصرفالمتعلم إلى منزله وجعل يكثر قراءتها فلا يقف على معانيها ولا يعرف ما فيها. ثم أنهجلس ذات يوم في محفل من أهل العلم والأدب والفطنة وهو يظن أنه قد اكتفى بما فازه منتلك الصحيفة فأخذ في محاورتهم، فجرت له كلمة أخطأ فيها فقال به عضهم: إنك قد أخطأتفيها والوجه غير ما تكلمت به. فقال: كيف أخطئ وقد قرأت الصحيفة الصفراء وهي فيمنزلي. فكانت مقالته أوجب الحجة عليه وزاده ذلك توهاً من الجهل وبعداً منالأدب
مثل الرجل الصابر علىاللص

ثم إن العاقل إذا فهم هذا الكتاب وتفقههوبلغ نهايته وعلم ما فيه، ينبغي له أن يعمل بما علمه منه لينتفع به ويجعله مثالاًلا يحيد عنه. فإذا لم يفعل ذلك كان مثله مثل الرجل الذي يقال إن سارقاً تسوّر عليهوهو نائم في منزله فعلم به فقال: والله لأسكتنّ حتى أنظر ما يصنع ولا أذعره ولاأعلمه أني قد علمت به، فإذا بلغ مراده قمت إليه فنغّصت ذلك عليه. ثم أمسك عنه وجعلالسارق يطوف، فطال تردده على الرجل في جمع ما يجده فغلبه النعاس فنام، وفرغ اللصمما أراد فأمكنه الذهاب. ثم استيقظ الرجل فوجد اللص قد فاز بما أخذ من المتاع فأقبلعلى نفسه باللوم حين عرف بأنه لم ينتفع بعلم موضع اللص إذ لم يستعمل في أمره مايجب.

ويقال أن العلم لا يتم إلا بالعمل، وإن العلم كالشجرة، والعمل فيهاكالثمرة، فليلزم صاحب العلم القيام بالعمل لينتفع به، وإن لم يستعمل ما يعلم فلايسمّى عالماً. ولو أن رجلا كان عالما بطريق مخوف ثم سلكه على علم به يسمى جاهلاً. ولعله يكون قد حاسب نفسه فوجدها قد ركبت أهواءً وهجمت به فيما هو أعرف بضررها فيهوأذاها به من ذلك السالك في الطريق المخوف الذي عرفه. ومن ركب هواه ورفض ما ينبغيأن يعمل بما جرّبه أو علّمه غيره، كان كالمريض العلام برديء الطعام والشراب وجيّدهوخفيفه وثقيله ثم يحمله الشره على رديئه وترك استعمال ما هو أقرب إلى النجاةوالتخلص من علته.
مثل البصيروالأعمى

وأقل الناس عذراً في اجتناب محمودالفعال وارتكاب مذمومه من أبصره وميّزه وعرف فضل بعضه على بعض. كما أنه لو كانرجلان أحدهما بصير والآخر أعمى ساقهما الأجل إلى حفرة فوقعا فيها، كانا إذا صاراجميعاً في قعرها بمنزلة واحدة في الهلكة. غير أن البصير أقل عذراً عند الناس منالضرير، إذ كانت له عينان يبصر بهما. وذاك بما صار إليه جاهل غير عارف.

وعلىالعالم أن يبدأ بنفسه فيؤدبها بعلمه ولا تكون غايته اقتناءه العلم لمعاونة غيره،فيكون كالعين التي يشرب الناس ماءها وليس لها في ذلك شيء من المنفعة، وكدودة القزالتي تحكم صنعته ولا تنتفع به.

فقد ينبغي لمن طلب العلم أن يبدأ بعظة نفسه. ثم عليه بعد ذلك أن يقبسه، فإن خلالاً ينبغي لصالح الدنيا أن يقتبسها، منا اتخاذالمعروف وأن لا يعيب أحداً بشيء هو فيه، فيكون كالأعمى الذي يعبر الأعمى بعماه. وينبغي لمن طلب أمراً أن يكون له فيه غاية يعمل بها ويقف عندها ولا يتمادى فيالطلب. فإنه يقال من سار إلى غير غاية فيوشك أن تنقطع به مطيّته، وأنه كان حقيقاًأن لا يعنّي نفسه على طلب ما لا حدّ له وما لم ينله أحد قبله، ولا يتأسف عليه ولايكون لدنياه مؤثراً على آخرته فإنه من لا يعلق قلبه بالعنايات قلت حسرته عندمفارقتها. وقد يقال في أمرين إنهما يجملان بكل أحد، وهما النسك والمال، وفي أمرينإنهما لا يجملان بكل أحد: الملك أن يشارك في ملكه والرجل أن يشارك في زوجته. فالخلتان الأوليان مثلهما مثل النار التي تحرق كل حطب يقذف فيها. والخلّتانالأخريان كالماء والنار اللذين لا يمكن اجتماعهما.
مثل الشريكالمحتال

يقال أنه كان رجل تاجر وله شريكفاستأجرا حانوتاً وجعلا فيه متاعهما، وكان أحدهما قريب المنزل إلى الحنانوت فأضمرفي نفسه أن يسرق عِدلا من أعدال رفيقه. وفكّر في الحيلة في ذلك، وقال: إن أتيتليلاً لا آمن أن أحمل عدلا من أعدالي أو رزمة من متاعي ولا أعرفها فيذهب عنائيوتعبي باطلا. واخذ رداءه وألقاه على العِدل الذي أضمر أخذه ثم مضى إلى منزله.

فجاء شريكه بعد ذلك ليصلح أعداله، فقال: "والله هذا رداء صاحبي ولا أحسبهإلا قد نسيه، وأما الرأي فأن لا أعده ها هنا بل أجعله على أعداله فلعله يسبقني إلىالحانوت فيجده حيث يحب. ثم ألقى الرداء على عدل من أعداله وقفل الحانوتوانصرف.

فلما كان الليل جاء رفيقه ومعه رجل قد واطأه على ما عزم عليه وضمنله جعلا على حمله، فصار إلى الحانوت والتمس الرداء في الظلمة فوجده على أحد الأعدالفاحتمله بعد الجهد الجهيد حتى أخرجه هو والرجل. ولم يزالا يتراوحان على حمله حتىأتيا به منزله ورمى نفسه تعباً. فلما أصبح نظر فإذا هو بعض أعداله فندم أشد الندم. ثم انطلق نحو الحانوت فوجد رقيقه قد سبقه وفتح الباب وتفقد العِدل فلم يجده، فاغتمّلذلك غمّاً شديداً، وقال: واسوأتاه من رفيقي الصالح الذي ائتمنتني على ماله وخلّفنيوانصرف، ماذا يكون حالي عنده ولا شك في تهمته إياي. ثم أتى رفيقه فوجده مغتمّاًفسأله عن حاله فقال له: إني قد فقدت عِدلاً من أعدالك ولا أعلم سببه ولا أشك تهمتكإياي، وإني قد وظّنت نفسي على غرامته.

فقال له: لا تغتمّ يا أخي، فإنالخيانة شر ما عمله الإنسان. والمكر والخديعة لا يؤديان إلى الخير وصاحبهما مغرورأبدا، وما عاد وبال البغي إلا على صاحبه. وأنا أحد من مكر وخدع واحتال. فقال لهرفيقه: وكيف كان ذلك؟ فأخبره بأمره وقص عليه قصته، فقال له صديقه: ما كان مثلك إلاكمثل اللص المخدوع والتاجر. قال: وكيف كان ذلك؟
مثل البصيروالأعمى
وأقل الناس عذراً في اجتناب محمود الفعالوارتكاب مذمومه من أبصره وميّزه وعرف فضل بعضه على بعض. كما أنه لو كان رجلانأحدهما بصير والآخر أعمى ساقهما الأجل إلى حفرة فوقعا فيها، كانا إذا صارا جميعاًفي قعرها بمنزلة واحدة في الهلكة. غير أن البصير أقل عذراً عند الناس من الضرير، إذكانت له عينان يبصر بهما. وذاك بما صار إليه جاهل غير عارف.

وعلى العالم أنيبدأ بنفسه فيؤدبها بعلمه ولا تكون غايته اقتناءه العلم لمعاونة غيره، فيكون كالعينالتي يشرب الناس ماءها وليس لها في ذلك شيء من المنفعة، وكدودة القز التي تحكمصنعته ولا تنتفع به.

فقد ينبغي لمن طلب العلم أن يبدأ بعظة نفسه. ثم عليهبعد ذلك أن يقبسه، فإن خلالاً ينبغي لصالح الدنيا أن يقتبسها، منا اتخاذ المعروفوأن لا يعيب أحداً بشيء هو فيه، فيكون كالأعمى الذي يعبر الأعمى بعماه. وينبغي لمنطلب أمراً أن يكون له فيه غاية يعمل بها ويقف عندها ولا يتمادى في الطلب. فإنه يقالمن سار إلى غير غاية فيوشك أن تنقطع به مطيّته، وأنه كان حقيقاً أن لا يعنّي نفسهعلى طلب ما لا حدّ له وما لم ينله أحد قبله، ولا يتأسف عليه ولا يكون لدنياه مؤثراًعلى آخرته فإنه من لا يعلق قلبه بالعنايات قلت حسرته عند مفارقتها. وقد يقال فيأمرين إنهما يجملان بكل أحد، وهما النسك والمال، وفي أمرين إنهما لا يجملان بكلأحد: الملك أن يشارك في ملكه والرجل أن يشارك في زوجته. فالخلتان الأوليان مثلهمامثل النار التي تحرق كل حطب يقذف فيها. والخلّتان الأخريان كالماء والنار اللذين لايمكن اجتماعهما.
مثل اللص المخدوع

قال: زعموا أنه كان تاجر في منزله خابيتان،إحداهما مملوءة حنطة والأخرى مملوءة ذهبا. فترقبه بعض اللصوص زماناً، حتى إذا كانفي بعض الأيام تشاغل التاجر عن المنزل في بعض أشغاله فتغفله اللص ودخل المنزل وكمنفي بعض نواحيه. فما همّ بأخذ الخابية التي فيها الدنانير أخذ التي فيها الحنطةفاحتملها. ولم يزل في كد وتعب حتى أتى منزله. فلما فتحها وعلم ما فيهاندم.

فقال له الخائن: ما بعّدت المثل ولا تجاوزت القياس وقد اعترفت بذنبي،غير أن النفس الردئية تأمر بالفحشاء. فقبل الرجل معذرته وأضرب عن توبيخه وعن الثقةبه، وندم هو عندما عاين سوء فعله وتقدم جهله.

وقد ينبغي للناظر في كتابناهذا أن لا يجعل غايته التصفح لتزاويقه، بل ليشرف على ما تضمن من الأمثال حتى يأتيعلى آخره ويقف عند كل مثل وكلمة ويعمل فيها رويته.
مثل الأخ الصغير والمُحسن إلىأخويه

ويكون كأحد الإخوة الثلاثة الذي خلّف لهمأبوهم المال الكثير فتنازعوه بينهم. فأما الاثنان الكبيران فإنهما أسرعا في إتلافهوإنفاقه في غير وجهه. وأما الصغير فإنه عندما نظر إلى ما صار إليه أخواه منإسرافهما وخلوّهما من المال، أقبل على نفسه يشاورهما وتفكر في سر تصرف أخويه وقال: يا نفس إنما المال يطلبه صاحبه ويجمعه في كل وجهٍ لبقاء حاله وصلاح دنياه وشرفمنزلته في أعين الناس واستغنائه عما في أيديهم وصرفه في وجهه من صلة الرحم والإنفاقعلى الولد والإفضال على الإخوان. فمن كان له مال ولا ينفقه، كان كالذي يعد فقيراًوإن كان موسراً. وإن هو أحسن إمساكه والقيام عليه، لم يعدم الأمرين جميعاً من دنياتضاف إليه وحمدٍ يبقى عليه. ومتى قصد على حسرة وندامة.

وليكن الرأي في إمساكهذا المال بأن أعين أخويّ وينفعني الله تعالى به، وإنما هو مال أبي وأبيهما، وإنأولى الإنفاق صلة الرحم وإن بعدت فكيف بأخوي.

وكذلك يجب على قارئ هذا الكتابأن يديم النظر فيه ويلتمس جواهر معانيه ولا يظن أن مغزاه إنما هو الإخبار عن حيلةبهيمتين أو محاورة سبع لثور، فينصرف بذلك عن الغرض المقصود، ويكون مثله مثل الصيادوالصدقة.
مثل الصيادوالصدَفة

كان صياد في بعض الخلجان يصيد ذات يومفي الماء إذ أبصر صَدَفةً فتوهمها شيئاً، فألقى شبكته فاشتملت على سمكة كانت قريبامنها فخلاها وقذف نفسه في الماء ليأخذ الصدفة. فما أخرجها وجدها فارغة فندم على مافي يده وتأسف على ما فاته. ولما كان في اليوم الثاني تنحى عن ذلك المكان ورمى شبكتهفأصاب حوتاً صغيراً فحاول أخذه ورأى أيضاً صدفة سنيّة فلم يلتفت إليها وساء ظنه بهاوتركها. فاجتاز بعض الصيادين بذلك المكان فرآها وأخذها فوجد فيها درة تساوي مبلغاًوافراً.

وكذلك الجهال على إغفال أمر التفكّر والاغترار في أمر هذا الكتابوترك الوقوف على أسرار معانيه والأخذ بظاهره دون الأخذ بباطنه. فقد قالت العلماء: إن مثل هذا الرجل الذي يظفر بعلم الفلسفة ويصرف همه إلى ابواب الهزل، كرجل أصابروضة هواؤها صحيح وتربتها طيبة فزرعها وسقاها حتى إذا قرب خيرها وأينعت، تشاغل عنثمرها بجمع ما فيها من الزهر وقطع الشوك فأهلك بتشاغله ما كان أحسن فائدة وأجملعائدة.

وينبغي للناظر في هذا الكتاب ومقتنيه أن يعلم أنه ينقسم إلى أربعةأقسام وأغراض: أحدهما ما قصد من وضعه على ألسن البهائم غير الناطقة ليتسارع إلىقراءته واقتنائه أهل الهزل من الشبان فيستميل به قلوبهم، لأن هذا هو الغرض بالنوادرمن الحيوانات. والثاني إظهار خيالات الحيوانات بصنوف الألوان والأصباغ ليكون أنساًلقلوب الملوك ويكون حرصهم أشد للنزهة في تلك الصور. والثالث أن يكون على هذه الصفةفيتخذه الملوك والسوقة فيكثر بذلك انتساخه ولا يبطل، فيخلق على مرور الأيام بلينتفع بذلك المصور والناسخ أبدا.

والغرض الرابع، وهو الأقصى، وذلك يخصالفيلسوف خاصة، أعني الوقوف على أسرار معاني الكتاب الباطنة.
باب الفحص عن أمردمنة

قال الملك للفيلسوف: قد سمعت حديثك في محالالعدو المحتال كيف أفسد اليقين بالشبهة حتى أزال المودة وأدخل العداوة، فحدثني إنرأيت كيف اطلع الأسد على ذنب دمنة حتى قتله وكيف كانت معاذيره ومدفعه عننفسه.

قال بيدبا الفيلسوف: إنا وجدنا في كتب خبر دمنة أن الأسد لما قتلشتربة ندم على معالجته بالقتل وتذكر حرمته. وكان من جنود الأسد وقرابته نمر كان منأكرم أصحابه عليه، وأخصّم عنده منزلة، وأطولهم به خلوة بالليل والنهار. وكان الأسدبعد قتله شتربة يطيل مسامرة أصحابه ليقطع عنه بحديثهم بعض ما قد داخله من الكآبةوالحزن بقتله الثور. وإن النمر لبث في سمره ذات ليلة حتى مضت هدأةٌ من الليل. ثمخرج من عنده منصرفا إلى منزله. وقد كان منزل كليلة ودمنة قرب منزل الأسد فدنا النمرمن منزلهما ليصيب قبساً يستضيء به وكانا مترافقين.

فسمع النمر محاورتهماونصت لهما حتى سمع كلامهما كله، ووجد كليلة قد أقبل على دمنة يعذله ويقبّح له رأيهوفعله ويعظّم له جرمه ويوبّخه بغدره. وكان فيما أنبه به أن قال: إن الذي هيجت بينالأسد والثور من العداوة بعد المودة والفرقة بعد الألفة والشحناء بعد السلامةبسخافة عقلك وقلة وفائك لمظهر أمرك ومطلع طلعه، ولازمك من بغيه ما تستوبل عاقبتهوتستمر مذاقته. فإن الغدر وإن لان عاجلُه واستحليت فروعه مرّ العاقبة بعيد المهواةوخيم المزلقة، وإني باجتنابك وترك مقارنتك والاقتداء بك لحقيق، فلست بآمن على نفسيمن معرّتك وشرهك وغدرك. وقد قالت العلماء: اجتنب أهل الريبة لئلا تكون مريباً. فإنيتارك مقارنتك ومتباعد منك ومغترب عنك لسوء أخلاقك التي بها أنشبت العداوة بين الملكووزيره الناصح المأمون، فلم تزل بتشبيهك وتمويهك بالباطل حتى حملته على القسوةوأورطته الورطة فقتله مظلوماً بريئاً.

قال دمنة: قد وقع من الأمر ما لا مردّله فدع تضييق الأمور عليّ وعلى نفسك فإني سأعمل في التغييب عن موقع الأمر في نفسالأسد. فقد كرهت ما مضى مني. والحسد والحرص حملاني على ما صنعت.

فلما سمعالنمر ذلك من كلامهما انصرف خفيّاً مسرعاً حتى دخل على اللبوءة أم الأسد فأخذ عليهاعهداّ ألا تفشي سرّه إلى الأسد ولا إلى غيره. فعاهدته على ذلك فأخبرها بالقصة علىوجهها من قول كليلة وإقرار دمنة.

فلما أصبحت أم الأسد أقبلت حتى دخلت علىالأسد فوجدته مكتئباً حزيناً لقتله شتربة فقالت: إن حزنك غير رادّ عليك مدبراً ولاسائق إليك نفعاً، وأنت غنيّ عن أن تجعله للبلاء عوناً عليك فتضعف به فؤادك وتنهك بهجسمك وتحمل به المضرة على نفسك، وأنت بحمد الله بتحصيل الأمور رفيق بصير بصادرهاوواردها. فإن علمت أن لك في الحزن فرجاً فحمّلنا منه مثلما أنت فيه. وإنت علمت أنلك في الحزن فرجاً فحمّلنا منه مثلما أنت فيه. وإنت علمت أنك لا تُرجع به مدبراًولا تسوق به إليك نفعاً فارغب عنه وانظر فيما يعود عليك نفعه. وإن اعتبار ما بلغكعن شتربة حتى يصحّ لك حقيق ذلك من باطله ليسير.
فقال الأسد: فكيف ليبذلك؟

قال أم الأسد: إن العلماء قد قالوا من أراد أن يعرف محبه من مبغضهوعدوه من صديقه فليعتبر ذلك من نفسه. فإن الناس على مثل ذلك له كما هو عليه لهم وإنأقنع ما شهد على امرئ نفسه. فلنا من قولك دليل على أن قلبك يشهد عليك بأنك عملت ماعملت بغير علم ولا يقين. وذلك فاعلم أنه رأس الخطأ. ولوكنت حين بلغك عن الثور مابلغك كففت نفسك وملكت غيظك ثم عرضت ما بلغك عنه على قلبك بحسن النظر لاكتفيت بقلبكدليلاً على تكذيب ما أتاك عنه، لأن القلوب تتكافأ فيما يتلاقى بعضها من بعض فيسرّها وعلانيتها. فقس أمرك وأمر الثور بموقع أمر كان في نفسك جنايته وموقعه اليومبعد موته.
فقال الأسد: لقد أكثرت الفكر وحرصت على التجني علىالثور بعد قتلي إياه لعلي آخذه في ذنب واحد كان فيما بيني وبينه أقوّي به تهمتي فمايزداد ظني به إلا حسناً وله وداً. ولست أتذكّر منه شرارة خلق أقول هي حملته على أنابتدأني بالحسد ولا نقص رأي أتهمه به على طلب مغالبتي، ولا أتذكر مني إليه أمراًسيئاً أرى أنه دعاه إلى عداوتي. فإني أحب أن أفحص عن أمره وأبالغ في البحث عنه وإنكنت أعرف أن ذلك غير مصلح ما فرط مني. ولكني أحب أن أعرف موقعي الذي أنا عليه فيماصنعت من الخطأ أو الصواب. فأخبريني هل سمعت من أمره شيئاً تذكرينه لي.

قالتأم الأسد: نع قد بلغني أمر استكتمنيه بعض أهلك. ولولا ما قالت العلماء في إذاعةالسر والتضييع للأمانات وأنت تترك ما لا نفع فيه وما منجى لأخبرتك بماعلمت.

قال الأسد: إن العلماء لأقاويلهم وجوه كثيرة ومعان مختلفة وأحوالمتصرفة، وليس في كل الوجوه أمر بالكتمان ولكل أمر موضع وخبر. فإذا كان في موضعه صلحالعمل به ونفع، وإن كان في غير موضعه ضر وأفسد. فمما تعظم مضرّته ولا يرضى استقالتهكتمان ما ينبغي له أن يعلن عذراً في إسراره ولا سعة في السكوت عنه. فإني أرى أنمطلعك عليه قد ألقى على نفسك وزره وحمّلك خيره وشرّه وأنت حقيقة بإظهاره، وحملهالوجل على نفسه من كتمانه، فألقي ما استودعت منه عنك بإفشائه إليّوإظهاره.

قالت أم الأسد: قد عرفت الذي قلت وإنه كما قلت وإن كان في ما ذكرتما يحملن يعلى كثير من الكلام لعلمي بموقع هذا الأمر في نفسك. فلا أراك إن كنت علىما أرى من الرأي أن يمنعك من العزم والمبالغة في نكال أهل الجريمة والغدر في اعتقادالألفة والثقة والتصديق. فحدثني إن كان في نفسك مني حرج.

قال الأسد: ما فينفسي حرج ولا أنتِ عندي نمّامة ولا أنا في نصحك مرتاب ولا أرى عليك في ذلك من ضررفي إفشاء ذلك الأمر إليّ.

قالت أم الأسد: بل ضرر منه عليّ في خلال ثلاث: أماواحدة فانقطاع ما بين وبين صاحب هذا السر من المودة لإباحتي بسره، وأما الأخرىفخيانتي لما استُحفظت من الأمانة، وأما الثالثة فوجل من كانوا يسترسلون إلي قبلاليوم مني وقطعهم أسرارهم عني.
قال الأسد: الأمر على ما قلت وما أنا عمّا كرهتبالمفتش، وما يختلج في صدري الارتياب بنصحك، فأخبرني بجملة الأمر إن كرهت أنتخبريني باسم صاحب السر ما أسرّ إليك منه.

فأخبرته بجملة ذلك الحديث ولمتسمّ من ذكره لها. وكان فيما قالت أن قالت: إنه لا ينبغي للولاة والرؤساء استبقاءالخونة الفجرة أهل الغدر والنميمة والمحال والإفساد بين الناس بفساد صلاحهم. وأولمن نفى عن الناس من يفسدهم وساق إليهم من يصلحهم القادة المتولّون لأمورهم. وأنتبقتل دمنة حقيق، فإنه قد كان يقال: إن إفساد أجلّ الأشياء من قبل خصلتين: إذاعةالسر وائتمان أهل الغدر. وإن الذي أنشب العداوة بينك وبين شتربة أنصح الوزراء وخيرالإخوان حتى قتلته غدر دمنة وجهالته ومكره وخيانته. وقد اطلعت على مكنونه وبدا ليما كان يُخفي عليك وعلمته نحو ما كان يذكر من حديثه إياك قبل اليوم. فالراحة لكولجندك وإن ظهر منه ما كان يكتم وعلن منه ما كان يبطن بقتله، فاقتله عقوبة لجريمتهوإبقاءً على جندك فيما يُستقبل من شرّه. فإنه ليس على مثلها إن انتعش بمأمون. ولعلكأيها الملك أن ترْكن إلى ما أُمر به الملوك من العفو عن أهل الجريمة. فإن رأيت ذلكفاعلم أنه ليس في من بلغ جرمه جرم دمنة لأنه لا ذنب له أكثر مما جنى دمنة علانيةوسراً بخلابته ومكره وتحميل الملك على البريء من وزرائه السليم صدره الناصح جيبه،حتى انطوى منه على حسده وقتله على شبهة.

ثم قالت: إني لست أجهل قول العلماءلتعظيم الفضل في العفو عن أهل الجرائم. ولكن الفضل في ذلك إنما هو دون النفوس أوجناية العامة التي يقع فيها الشين وتحتج بها السفهاء عندما يكون من أعمالهم السيئةواستعد بها الملك بالأمر الذي يضل خطره فيه إن كان إلى العامة.

فأمر الأسدأمه بالانصراف عنه وبعث حين أصبح إلى جنوده فأُدخل عليه وجوههم. فأرسل إلى أمهفحضرت المجلس ثم دعا بدمنة فأُتي به. فلما أقام بين يديه قلب الأسد يده بالتميثلبه. فلما رأى دمنة ذلك أيقن بالهلكة فالتفت إلى بعض من يليه فقال له بصوت خفيّ: هلحدث من حديث أحزن الملك أو هل كان شيء جمعكم له كما أرى؟

قال دمنة: ما أرىالأول ترك للأخير مقالاً في شيء من معاريض الأمور. وقد جرى في بعض ما يقال أنّ أشدّالناس اجتهاداً في توقي الشر أكثرهم فيه وقوعاً، ولا يكون للملك وجنوده المثلالسوء. وقد علمت أن ذلك إنما قيل في صحبة الأشرار. إنه من صحبهم وهو يعلم عملهم لمينجّه من شرورهم توقيه إياها. ولذلك انقطعت النساك بأنفسها واختارت الوحدة فيالجبال على مخالطة الناس وآثرت العمل لله على العمل لخلقه لأنه ليس أحد يجزي بالخيرخيراً إلى الله. فأما من دونه فقد تجري أمورهم على فنون شتى يكون مع ذلك في أكثرهاالخطأ. وما أحد بأحق بإصابة الصواب من الملك الموفّق الذيا لا يصانع أحداً لحاجة بهإليه ولا لعاقبة يتخوّفها منه. وإن كان أحق من ذلك من عظمت فيه رغبة الملوك منمحاسن الصواب فمكافأة أهل البلاء الحسن عندهم. وما بلاء أبين حسناً من نصيحة. ولقدعلم وعلمت وعلم جميع من حضر أنه لم يكن بيني وبين الثور أمر أضطغين عليه فيه حقداًولا أبغي له غائلة، وما كان بذلك من ضرّ ولا نفع. ولكني نصحت الملك فيه وأعلمته مااطلعت عليه من أمره حتى أبصر مصداق ما ذكرت له وكان فيه أفضل رأياً وأشد حزماًوعزماً. ولقد أعرف أنه قد تخوّف مثلها مني غير واحد من أهل الغش والعداوة فنصبوانصبي وأجمعوا على طلب هلاكي. وما كنت أتخوّف أن يكون جزائي على النصيحة وحسن البلاءأن يحزن الملك على تركه إياي حيّاً.
فلما سمع الأسد قول دمنة قال: أخرجوه عنيوادفعوه إلى القضاء، فليفتشوا عن أمره، فإني لست أحبّ أن أحكم على محسن ولا مسيءإلا بظهور وجه الحق والعدل.

فسجد دمنة للأسد ثم قال: أيها الملك إنه ليسأكشف للعمى ولا أوضح للشبهة ولا أشد استخراجاً لغامضات الأشياء من الاجتهادوالمبادرة فيما يصاب به ذلك. وقد علمت أيها الملك أن النار تكون مستكنّة في الشجروالحجارة فلا تخرج ولا تصاب منفعتها إلا بالعمل والطلب. ولو كنت مجرماً لتخوّفتالتكشّف عن جرمي كما قد أصبحت لعلمي ببراءتي، أرجو أن يخرج الفحص والتكشف صحة أمري. وكذلك كل شيء طابت رائحته أو نتنت فاليوم يزيده فووحاً وظهوراً. ولو كنت أعرف معذلك لنفسي ذنباً أو جرماً لوجدت في الأرض مذهباً ولما لزمت باب الملك أنتظر ثوابعملي. ولكني أحب أن يأمر الملك من يلي الفحص عن أمري أن يرفع إليه في كل يوم مايكشف من عذري وبراءتي ليرى فيّ رأيه ويعارض بعض أمري ببعض ولا يعمل في أمري بشبهاتأهل البغي والعداوة، فإن الذي رأى الملك من تشبيههم عليه ما قد استبان من عداوةالثور لجدير أن يمنعه من الإقدام على قتلي بعد الذي علم من نصيحتي وحوطتي عليه ومنرأيه الذي قد علمه الملك من منزلتي في نفسي من خساسة الحال وصغر الخطر. وإني لستأستطيع أن أدفع نفسي عن نسبة العبودية ولا أطمع فيما يطمع فيه من فوقي. فإني وإنكنت عبد الملك فإن لي من عدله نصيباً أعرف أن الملك معطينيه من نفسي في حياتي وبعدموتي. فإن كان الملك أجمع على دفعي إلى من يبحث عن أمري وينظر في براءتي فإني أرغبإلى عدله ولا يغفل أمري وأن يأمر برفع معاذيري إليه يوماً بيوم. فإن كان الملكللبلاء المقدور عليّ وقلة استطاعتي لامتناع من القدر غير متروّ في أمري ولا متبحّثعن شأني ولا صارف العقوبة عني لقول أهل الشرارة والمحال على غير ذنب سلف مني، فلميبق لي ناصرٌ ألجأ إليه إلا الله فإنه كاشف الكرب. وقد قالت العلماء: إنه من صدّقفيما يشبّه عليه بما ينبغي الشك فيه وكذّب بما ينبغي أن يصدّق فيه أصابه ما أصابالمرأة التي بذلت بمالها لعبدها بتشبيهه عليها.

قال الأسد: وكيف كانذلك؟
باب الفحص عن أمردمنة

قال الملك للفيلسوف: قد سمعت حديثك في محالالعدو المحتال كيف أفسد اليقين بالشبهة حتى أزال المودة وأدخل العداوة، فحدثني إنرأيت كيف اطلع الأسد على ذنب دمنة حتى قتله وكيف كانت معاذيره ومدفعه عننفسه.

قال بيدبا الفيلسوف: إنا وجدنا في كتب خبر دمنة أن الأسد لما قتلشتربة ندم على معالجته بالقتل وتذكر حرمته. وكان من جنود الأسد وقرابته نمر كان منأكرم أصحابه عليه، وأخصّم عنده منزلة، وأطولهم به خلوة بالليل والنهار. وكان الأسدبعد قتله شتربة يطيل مسامرة أصحابه ليقطع عنه بحديثهم بعض ما قد داخله من الكآبةوالحزن بقتله الثور. وإن النمر لبث في سمره ذات ليلة حتى مضت هدأةٌ من الليل. ثمخرج من عنده منصرفا إلى منزله. وقد كان منزل كليلة ودمنة قرب منزل الأسد فدنا النمرمن منزلهما ليصيب قبساً يستضيء به وكانا مترافقين.

فسمع النمر محاورتهماونصت لهما حتى سمع كلامهما كله، ووجد كليلة قد أقبل على دمنة يعذله ويقبّح له رأيهوفعله ويعظّم له جرمه ويوبّخه بغدره. وكان فيما أنبه به أن قال: إن الذي هيجت بينالأسد والثور من العداوة بعد المودة والفرقة بعد الألفة والشحناء بعد السلامةبسخافة عقلك وقلة وفائك لمظهر أمرك ومطلع طلعه، ولازمك من بغيه ما تستوبل عاقبتهوتستمر مذاقته. فإن الغدر وإن لان عاجلُه واستحليت فروعه مرّ العاقبة بعيد المهواةوخيم المزلقة، وإني باجتنابك وترك مقارنتك والاقتداء بك لحقيق، فلست بآمن على نفسيمن معرّتك وشرهك وغدرك. وقد قالت العلماء: اجتنب أهل الريبة لئلا تكون مريباً. فإنيتارك مقارنتك ومتباعد منك ومغترب عنك لسوء أخلاقك التي بها أنشبت العداوة بين الملكووزيره الناصح المأمون، فلم تزل بتشبيهك وتمويهك بالباطل حتى حملته على القسوةوأورطته الورطة فقتله مظلوماً بريئاً.

قال دمنة: قد وقع من الأمر ما لا مردّله فدع تضييق الأمور عليّ وعلى نفسك فإني سأعمل في التغييب عن موقع الأمر في نفسالأسد. فقد كرهت ما مضى مني. والحسد والحرص حملاني على ما صنعت.

فلما سمعالنمر ذلك من كلامهما انصرف خفيّاً مسرعاً حتى دخل على اللبوءة أم الأسد فأخذ عليهاعهداّ ألا تفشي سرّه إلى الأسد ولا إلى غيره. فعاهدته على ذلك فأخبرها بالقصة علىوجهها من قول كليلة وإقرار دمنة.

فلما أصبحت أم الأسد أقبلت حتى دخلت علىالأسد فوجدته مكتئباً حزيناً لقتله شتربة فقالت: إن حزنك غير رادّ عليك مدبراً ولاسائق إليك نفعاً، وأنت غنيّ عن أن تجعله للبلاء عوناً عليك فتضعف به فؤادك وتنهك بهجسمك وتحمل به المضرة على نفسك، وأنت بحمد الله بتحصيل الأمور رفيق بصير بصادرهاوواردها. فإن علمت أن لك في الحزن فرجاً فحمّلنا منه مثلما أنت فيه. وإنت علمت أنلك في الحزن فرجاً فحمّلنا منه مثلما أنت فيه. وإنت علمت أنك لا تُرجع به مدبراًولا تسوق به إليك نفعاً فارغب عنه وانظر فيما يعود عليك نفعه. وإن اعتبار ما بلغكعن شتربة حتى يصحّ لك حقيق ذلك من باطله ليسير.
فقال الأسد: فكيف ليبذلك؟

قال أم الأسد: إن العلماء قد قالوا من أراد أن يعرف محبه من مبغضهوعدوه من صديقه فليعتبر ذلك من نفسه. فإن الناس على مثل ذلك له كما هو عليه لهم وإنأقنع ما شهد على امرئ نفسه. فلنا من قولك دليل على أن قلبك يشهد عليك بأنك عملت ماعملت بغير علم ولا يقين. وذلك فاعلم أنه رأس الخطأ. ولوكنت حين بلغك عن الثور مابلغك كففت نفسك وملكت غيظك ثم عرضت ما بلغك عنه على قلبك بحسن النظر لاكتفيت بقلبكدليلاً على تكذيب ما أتاك عنه، لأن القلوب تتكافأ فيما يتلاقى بعضها من بعض فيسرّها وعلانيتها. فقس أمرك وأمر الثور بموقع أمر كان في نفسك جنايته وموقعه اليومبعد موته.

فقال الأسد: لقد أكثرت الفكر وحرصت على التجني على الثور بعد قتليإياه لعلي آخذه في ذنب واحد كان فيما بيني وبينه أقوّي به تهمتي فما يزداد ظني بهإلا حسناً وله وداً. ولست أتذكّر منه شرارة خلق أقول هي حملته على أن ابتدأنيبالحسد ولا نقص رأي أتهمه به على طلب مغالبتي، ولا أتذكر مني إليه أمراً سيئاً أرىأنه دعاه إلى عداوتي. فإني أحب أن أفحص عن أمره وأبالغ في البحث عنه وإن كنت أعرفأن ذلك غير مصلح ما فرط مني. ولكني أحب أن أعرف موقعي الذي أنا عليه فيما صنعت منالخطأ أو الصواب. فأخبريني هل سمعت من أمره شيئاً تذكرينه لي.

قالت أمالأسد: نع قد بلغني أمر استكتمنيه بعض أهلك. ولولا ما قالت العلماء في إذاعة السروالتضييع للأمانات وأنت تترك ما لا نفع فيه وما منجى لأخبرتك بما علمت.

قالالأسد: إن العلماء لأقاويلهم وجوه كثيرة ومعان مختلفة وأحوال متصرفة، وليس في كلالوجوه أمر بالكتمان ولكل أمر موضع وخبر. فإذا كان في موضعه صلح العمل به ونفع، وإنكان في غير موضعه ضر وأفسد. فمما تعظم مضرّته ولا يرضى استقالته كتمان ما ينبغي لهأن يعلن عذراً في إسراره ولا سعة في السكوت عنه. فإني أرى أن مطلعك عليه قد ألقىعلى نفسك وزره وحمّلك خيره وشرّه وأنت حقيقة بإظهاره، وحمله الوجل على نفسه منكتمانه، فألقي ما استودعت منه عنك بإفشائه إليّ وإظهاره.

قالت أم الأسد: قدعرفت الذي قلت وإنه كما قلت وإن كان في ما ذكرت ما يحملن يعلى كثير من الكلام لعلميبموقع هذا الأمر في نفسك. فلا أراك إن كنت على ما أرى من الرأي أن يمنعك من العزموالمبالغة في نكال أهل الجريمة والغدر في اعتقاد الألفة والثقة والتصديق. فحدثني إنكان في نفسك مني حرج.
قال الأسد: ما في نفسي حرج ولا أنتِ عندي نمّامة ولا أنا في نصحك مرتاب ولا أرى عليك في ذلك من ضرر في إفشاء ذلك الأمر إليّ.

قالت أم الأسد: بل ضرر منه عليّ في خلال ثلاث: أما واحدة فانقطاع ما بين وبين صاحب هذا السر من المودة لإباحتي بسره، وأما الأخرى فخيانتي لما استُحفظت من الأمانة، وأما الثالثة فوجل من كانوا يسترسلون إلي قبل اليوم مني وقطعهم أسرارهم عني.
قال الأسد: الأمر على ما قلت وما أنا عمّا كرهت بالمفتش، وما يختلج في صدري الارتياب بنصحك، فأخبرني بجملة الأمر إن كرهت أن تخبريني باسم صاحب السر ما أسرّ إليك منه.

فأخبرته بجملة ذلك الحديث ولم تسمّ من ذكره لها. وكان فيما قالت أن قالت: إنه لا ينبغي للولاة والرؤساء استبقاء الخونة الفجرة أهل الغدر والنميمة والمحال والإفساد بين الناس بفساد صلاحهم. وأول من نفى عن الناس من يفسدهم وساق إليهم من يصلحهم القادة المتولّون لأمورهم. وأنت بقتل دمنة حقيق، فإنه قد كان يقال: إن إفساد أجلّ الأشياء من قبل خصلتين: إذاعة السر وائتمان أهل الغدر. وإن الذي أنشب العداوة بينك وبين شتربة أنصح الوزراء وخير الإخوان حتى قتلته غدر دمنة وجهالته ومكره وخيانته. وقد اطلعت على مكنونه وبدا لي ما كان يُخفي عليك وعلمته نحو ما كان يذكر من حديثه إياك قبل اليوم. فالراحة لك ولجندك وإن ظهر منه ما كان يكتم وعلن منه ما كان يبطن بقتله، فاقتله عقوبة لجريمته وإبقاءً على جندك فيما يُستقبل من شرّه. فإنه ليس على مثلها إن انتعش بمأمون. ولعلك أيها الملك أن ترْكن إلى ما أُمر به الملوك من العفو عن أهل الجريمة. فإن رأيت ذلك فاعلم أنه ليس في من بلغ جرمه جرم دمنة لأنه لا ذنب له أكثر مما جنى دمنة علانية وسراً بخلابته ومكره وتحميل الملك على البريء من وزرائه السليم صدره الناصح جيبه، حتى انطوى منه على حسده وقتله على شبهة.

ثم قالت: إني لست أجهل قول العلماء لتعظيم الفضل في العفو عن أهل الجرائم. ولكن الفضل في ذلك إنما هو دون النفوس أو جناية العامة التي يقع فيها الشين وتحتج بها السفهاء عندما يكون من أعمالهم السيئة واستعد بها الملك بالأمر الذي يضل خطره فيه إن كان إلى العامة.

فأمر الأسد أمه بالانصراف عنه وبعث حين أصبح إلى جنوده فأُدخل عليه وجوههم. فأرسل إلى أمه فحضرت المجلس ثم دعا بدمنة فأُتي به. فلما أقام بين يديه قلب الأسد يده بالتميثل به. فلما رأى دمنة ذلك أيقن بالهلكة فالتفت إلى بعض من يليه فقال له بصوت خفيّ: هل حدث من حديث أحزن الملك أو هل كان شيء جمعكم له كما أرى؟

قال دمنة: ما أرى الأول ترك للأخير مقالاً في شيء من معاريض الأمور. وقد جرى في بعض ما يقال أنّ أشدّ الناس اجتهاداً في توقي الشر أكثرهم فيه وقوعاً، ولا يكون للملك وجنوده المثل السوء. وقد علمت أن ذلك إنما قيل في صحبة الأشرار. إنه من صحبهم وهو يعلم عملهم لم ينجّه من شرورهم توقيه إياها. ولذلك انقطعت النساك بأنفسها واختارت الوحدة في الجبال على مخالطة الناس وآثرت العمل لله على العمل لخلقه لأنه ليس أحد يجزي بالخير خيراً إلى الله. فأما من دونه فقد تجري أمورهم على فنون شتى يكون مع ذلك في أكثرها الخطأ. وما أحد بأحق بإصابة الصواب من الملك الموفّق الذيا لا يصانع أحداً لحاجة به إليه ولا لعاقبة يتخوّفها منه. وإن كان أحق من ذلك من عظمت فيه رغبة الملوك من محاسن الصواب فمكافأة أهل البلاء الحسن عندهم. وما بلاء أبين حسناً من نصيحة. ولقد علم وعلمت وعلم جميع من حضر أنه لم يكن بيني وبين الثور أمر أضطغين عليه فيه حقداً ولا أبغي له غائلة، وما كان بذلك من ضرّ ولا نفع. ولكني نصحت الملك فيه وأعلمته ما اطلعت عليه من أمره حتى أبصر مصداق ما ذكرت له وكان فيه أفضل رأياً وأشد حزماً وعزماً. ولقد أعرف أنه قد تخوّف مثلها مني غير واحد من أهل الغش والعداوة فنصبوا نصبي وأجمعوا على طلب هلاكي. وما كنت أتخوّف أن يكون جزائي على النصيحة وحسن البلاء أن يحزن الملك على تركه إياي حيّاً.
فلما سمع الأسد قول دمنة قال: أخرجوه عني وادفعوه إلى القضاء، فليفتشوا عن أمره، فإني لست أحبّ أن أحكم على محسن ولا مسيء إلا بظهور وجه الحق والعدل.

فسجد دمنة للأسد ثم قال: أيها الملك إنه ليس أكشف للعمى ولا أوضح للشبهة ولا أشد استخراجاً لغامضات الأشياء من الاجتهاد والمبادرة فيما يصاب به ذلك. وقد علمت أيها الملك أن النار تكون مستكنّة في الشجر والحجارة فلا تخرج ولا تصاب منفعتها إلا بالعمل والطلب. ولو كنت مجرماً لتخوّفت التكشّف عن جرمي كما قد أصبحت لعلمي ببراءتي، أرجو أن يخرج الفحص والتكشف صحة أمري. وكذلك كل شيء طابت رائحته أو نتنت فاليوم يزيده فووحاً وظهوراً. ولو كنت أعرف مع ذلك لنفسي ذنباً أو جرماً لوجدت في الأرض مذهباً ولما لزمت باب الملك أنتظر ثواب عملي. ولكني أحب أن يأمر الملك من يلي الفحص عن أمري أن يرفع إليه في كل يوم ما يكشف من عذري وبراءتي ليرى فيّ رأيه ويعارض بعض أمري ببعض ولا يعمل في أمري بشبهات أهل البغي والعداوة، فإن الذي رأى الملك من تشبيههم عليه ما قد استبان من عداوة الثور لجدير أن يمنعه من الإقدام على قتلي بعد الذي علم من نصيحتي وحوطتي عليه ومن رأيه الذي قد علمه الملك من منزلتي في نفسي من خساسة الحال وصغر الخطر. وإني لست أستطيع أن أدفع نفسي عن نسبة العبودية ولا أطمع فيما يطمع فيه من فوقي. فإني وإن كنت عبد الملك فإن لي من عدله نصيباً أعرف أن الملك معطينيه من نفسي في حياتي وبعد موتي. فإن كان الملك أجمع على دفعي إلى من يبحث عن أمري وينظر في براءتي فإني أرغب إلى عدله ولا يغفل أمري وأن يأمر برفع معاذيري إليه يوماً بيوم. فإن كان الملك للبلاء المقدور عليّ وقلة استطاعتي لامتناع من القدر غير متروّ في أمري ولا متبحّث عن شأني ولا صارف العقوبة عني لقول أهل الشرارة والمحال على غير ذنب سلف مني، فلم يبق لي ناصرٌ ألجأ إليه إلا الله فإنه كاشف الكرب. وقد قالت العلماء: إنه من صدّق فيما يشبّه عليه بما ينبغي الشك فيه وكذّب بما ينبغي أن يصدّق فيه أصابه ما أصاب المرأة التي بذلت بمالها لعبدها بتشبيهه عليها...



يتبع

اضغطي على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي



||اَخر مواضيع ~ ام اينانا :

0 اصول بعض العشآئر العراقية ..دمج موضوعين ام اينانا + Miss Perfume
0 الافندي .. الافندي .. عيوني الافندي ..)
0 جنين يخرج يده من بطن امـــه !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
0 قصة واقعية اعجبتني...
0 الفرق بين امتحــــان الله

  رد مع اقتباس
قديم منذ /31-01-2009   #4
 

ام اينانا

 

 

الصورة الرمزية ام اينانا

 
الملف الشخصي








تم شكرها 7 مرة في 6 مشاركة
الحالة
ام اينانا غير متواجده حالياً


ام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond repute

اوسمة العضوه

الوسام الفضي   مجموع الاوسمة: 1
افتراضي

قال الأسد: وكيف كان ذلك؟
مثل المرأة والمصوّروالعبد
قال دمنة: زعموا أنه كان بمدينة باثرون فيأرض تدعى كشمير تاجر يدعى حبلاً وكانت له امرأة ذات حيلة ودهاء تختلس من مالهفتبيعه لشؤونها. وكان إلى جانب بيتها مصوّر ماهر بالتصاوير يواطئها على اختلاسالمال. فقال المرأة للرجل في بعض أحيانه التي كان يأتيها فيها: إن استطعت أن تحتالبصناعة اطّلع بها على مجيئك إذا جئتني بالليل من غير نداء ولا رمي ولا شيء يرتاب بهيكون رفق ذلك بي وبك. فقال المصور: عندي في ذلك من الحيل ما يسرّك، وهو أن عنديملاءة بتهاويل الصور، وجهها الواحد شبيه باليقق الأبيض الشبيه بضوء القمر، والوجهالآخر حالك السواد شبيه بالظلمة الحندسية منظراً. فبياضها يدعوك في الليلة الظلماءبضوئه وسوادها يبدو لك في الليلة المقمرة، فقال: إذا رأيتها فاعلمني أني صاحبكفتأتيني بالمال دون نداء. فدخل عبد للتاجر وهما يتفاوضان في ذلك فسمع قولهما، فأرادأن يصيب شيئاَ من المال المختلس. فلما كان بعد ذلك وكان العبد صديقاً لأمة المصورطلب إليها أن تعيره الملاءة ليريها صاحباً له ويسرع إلى ردها. فأعطته الملاءةفلبسها ولقي المرأة على نحو ما كان يأتيها المصور. فلما رأته لم ترتب بشيء من شأنهفبذلت له حصة من المال ثم رجع العبد بالملاءة إلى الأمة فوضعتها في موضعها. وكانالمصور عن بيته غائباً. فلما مضت هدأة من الليل رجع المصور إلى بيته ولبس الملاءةوأتى بها المرأة. فلما رأت الملاءة دنت منه فقالت: ما شأنك أسرعت راجعاً وقد أخذتالمال في أول الليل. فلما سمع المصور كلامها خبت نفسه وانصرف نحو منزله، ثم دعاجاريته فتوعّدها بالضرب فأخبرته بالأمر على وجهه، فأحرق المصور الملاءة وندم علىصنعه إياها.

وإنما ضربت لك هذا المثل أيها الملك لتعلم أن الشبهة كذب وأنالكذب يعيب صاحبه. ولست أنت حقيقاً بقتل البريء ذي الصحبة لوشي الوشاة وتحاملالخونة عليه. ولست أقول أيها الملك هذا كراهة للموت فإنه، وإن كان كريهاً، فلا منجىمنه، وكل حي ميت. ولو كانت لي مائة نفس وأعلم أن رضا الملك في إتلافهن لطلبت له بهننفساً. فإن ظننت أيها الملك أن لك بقتلي روحاً وفرجاً فإن العلماء قد قالوا: مناقترف خطيئة أو ذنباً فأسلم نفسه للقتل تكفيراً عن إئمه عفا الله عنه ونجا من الشرّفي الآخرة. فإني وإن كنت أعلم أن الله قد باعد الملك من الجور والاعتداء وإهلاكالنفس البريئة بوشي الأشرار وتحميل الفجّار، فإني أحب أن لا يعجّل بأمر دون الفحصوالترويه.

فبينما دمنة يقول معذرته إذ اعترض له أحد الحضور من بعض جلساءالملك فقال: أيها الملك إن دمنة ليس ما يقول تعظيماً لحق الملك ولا توفيراً لفضله،ولكنه يريد أن يدفع عن نفسه ما قد نزل به من سوء عمله.

قال دمنة: وهل، وليك،على امرئ في العذر لنفسه عيب؟ وهل أحد أقرب إلى الإنسان من نفسه؟ إذا لم يلتمس لهاالعذر فمن يلتمسه لها؟ وقد أحق بنصيحتي من نفسي، أو من أحق أن أنصح عنه منها؟ وقدقالت العلماء: إن المستهين لنفسه المبغض لها هو لغيرها أقطع وأبغض ولمن سواها أغشوأرفض. وقولك هذا مما يستدل به من حضر على قلة عقلك لما قلت ولجهالتك لما يدخل عليكفيه. ولقد ظهر منك ما لا تملكه من الحسد والبغضاء، وعرف من سمع قولك أنك لا تحبأحدا، وأنك عدو نفسك فمن سواها. فمثلك لا يصلح أن يكون إلا مع البهائم فضلاً من أنتحضر مجلس الملك أو تكون ببابه.

فلما سمعالمقول له هذه المقالة من دمنة سكتفلم يحرْ جواباً وخرج مستحياً.

فقال أم الأسد لدمنة: إن من العجب انطلاقكبالقول مجيباً لمن تكلّم وقد كان منك ما كان.

قال دمنة: علام تنظرين بعينواحدة وتسمعين بأذن واحدة لشقاوة جدي؟ كذا كل شيء قد تنكّر وتغير. فليس ينطق أحدبحق ولا يقوم به ولا يتكلم إلا بالهوى. ومن بباب الملك لثقتهم به وطمأنينتهم إليهوتعطفه عليه لا يتّقون أن يتكلّموا بأهوائهم فيما رافق الحق أو خالفه وهو لا يغيرعليهم ولا ينهاهم.

قالت أم الأسد: انظر إلى هذا الفاسق الفاجر الذي ركبالأمر العظيم كم يأخذ بأعين الناس ويبرّئ نفسه.

قال دمنة: إن الفاسق الفاجرمن يذيع ولم يدفنه، والرجل الذي يلبس لباس المرأة والمرأة التي تلبس لباس الرجل،والضيف الذي يزعم أنه رب البيت، ومن ينطق في مجتمع عند الملك بما لا يسألعنه.

قالت أم الأسد: يا شقي، أما تعلم من نفسك سوء عملك ومكركوفجورك.

قال لها دمنة: الشقي الذي يرتكب المنكر ولا يريد لأحد خيراً ولايدفع عن نفسه المكروه.

قالت أم الأسد: أيها الخائن الفاجر، إنك لتجترئ علىمثل هذا القول. عجباً للملك أن يتركك حياً.

قال دمنة: إن الخائن الفاجر الذييؤتى بالنصيحة ويمكّن من عدوه ثم لا يشكر ذلك ولا يعرفه لمن أتاه به، ولكن يريدقتله على غير ذنب.

قالت أم الأسد: لسمع موعظتك وضربك الأمثال لمن كلّمك أعجبعندي من الذي سلف من خلابتك ومكرك وحسدك.

قال دمنة: هذا موضع العظة إن قبلتوموضع الأمثال إن نفعت.

قالت أم الأسد: أيها الغادر الفاجر إن في سوء عملكلشاغلاً لو عقلت من ضرب الأمثال.

قال دمنة: إنما الغادر من أخاف من عمل فيأمنه وعادى من كشف له عداوة أعدائه.

قالت أم الأسد: كأنك ترجو أيها الكاذبأن تنجو بتسطير المقال مما اجترمت.

قال دمنة: إن الكاذب من كافى بالإحسانإساءة بالخير شراً وبالأمن خوفاً. وأما أنا فقد أنجزت ما وعدت ووفيتالعهد.

قالت أم الأسد: ما وعد الذي أنجزت وعهدك الذي وفيت؟

قال دمنة: سيدى يعلم أني لو كنت كاذباً لم أجترىء على الكلام عنده بالباطل وانتحالالكذب.
فلما رأت أم الأسد أن كلام دمنة لا يزيد الأسد إلالينا ارتابت وداخلها الخوف شفقاً على أن يرى بعض ما يقول دمنة في براءته وعذرهفقالت للأسد: إن الصمت على حجج الخصم لشبيه بالإقرار بحقيقة ما يقول. ومن هنالكقالت العلماء: أقرّ صامت. ثم قامت وهي غضبانة تريد الخروج.

فأمر الأسد بدمنةفجعلت الجامعة في عنقه وحبس وأمر بالفحص عنه.

فقالت أم الأسد له: إني لم أزلأسمع بمكر دمنة منذ زمان، ثم حقق عندي ما سمعت من إفكه وافتعاله المعاذير وكثرةمخارجه بغير صدق ولا براءة. فإنك إن أمكنته من الكلام دافعك عن نفسه بالحججالكاذبة. وفي قتله لك ولجنودك راحة عظيمة، فاجل قتله. ولا تأخذك فيه هوادة ولاتوقفك عنه شبهة؛ فإن الصغير والكبير من جندك عرفوا بنميمة دمنة وعلموا بفضائحه خاصةفي أمر البريء الناصح وخير الوزراء شتربة. فقد استعاد الكذب وهو منه خلقٌ راسخٌوطبيعة لازمة. والراحة لك ولجندك ترك المناظرة والقتل له بذنبه.

قال الأسد: إن من شأن بطانة الملوك وقرابتهم التنافس في المنازل بينهم ودخول البغي والحسد منبعضهم على بعض ولا سيما على ذي الرأي والنبالة منهم لخاصته. وقد علمت أن مكان دمنةقد ثقل على غير واحد من جنودي وأهلي، فلست أدري لعلّ الذي أرى وأسمع من جماعتهموإجماعهم عليه لبعض ذلك. وأنا أكره العجلة في أمره. فإن العلق الصالح لا يستهلك إلافي حقه وموقع القدر فيه لمن استهلكه. ولا أجدني معذوراً باتباع نفسي والمعاجلة لهدون الفحص والثبات. ولكن كوني بخير واسلمي فإني قد بدا لي من الرأي ماينبغي.

فانصرفت أم الأسد بسكون جأشها وطيب نفسها وأخذ الأسدمضجعه.

ولما أدخل دمنة السجن وغلظ عليه الوثاق أخبر كليلة أن دمنة دق ردّإلى السجن فداخلته له رقة وأدركته فيه رحمة لطول الصحبة والممالحة والإخاء الذي كانبينهما. فانطلق له مستصفياً حتى لقيه في السجن. فبكى كليلة لما نظر إليه وإلى ما هوفيه من الغم والضيق والبلاء، ثم قال له: إن ما أنت فيه لكافيك من عظتي، ولكن لايمنع ذلك إنذارك والنصيحة لك. فإن لكل مقال موضعاً. ولو كنت قصّرت في عظتك حيناحتجت إلى ذلك مني في حال العاقبة لكنت اليوم شريكك في الذنب، ولكن الإعجاب بنفسكدخل بك مدخلاً قهر رأيك وغلب على عقلك. وقد كنت أضرب لك مثلاً قول العلماء: "إنالمحتال يموت قبل أجله"، وليس قولهم "يموت قبل أجله"، انقطاع الحياة، ولكنهم أرادوادخول الأشياء التي تفسد الحياة كنحو ما أنت فيه مما الموت أروح منه.

قالدمنة: لم تزل منذ كنت تقول الحق بجهدك وقد كنت تعظني وتنصحني ولكنّ شدة النفسوالحرص على طلب المنزلة فيّلا رأيي وسفّها نصحك عندي، كالمريض المولع بالطعام الذيعرف أنه يغلّط مرضه ويضرّ بجسمه فيدع معرفته وينقاد لشهوته. وقد عرفت أني زرعتلنفسي هذا البلاء، والزرع إنما ينبت لأوانه وزمانه وإن تقدم في زرعه. وهذا أوانحصاد ما زرعت لنفسي. وإنما يشتد عليّ البلاء لخوفي أن تتهم في أمري لما كان بينيوبينك، وأخاف مع ذلك إن بسطت عليك العقوبة أن تعترف بما كنت اطّلعت عليه من أمري. وأما الأخرى فإنك ممن لا يتهم في صدق مقالته على البعيد فكيف على من منزلته مثلمنزلتي.

قال كليلة: عرفت، وقالت العلماء إن الأجساد لا تصبر على حلول العذابولا تمتنع عنده من القول بكل ما تستطيع أن تدفعه. وإني لأرى إذ نزلت بك هذه النازلةأن تبوء بذنبك وتعترف بإساءتك فتخرج نفسك من تبعة الآخرة بالتوبة مما صنعت، فإنك لامحالة هالك. فلا تجمع على نفسك هلاك العاجل والآجل. ولخير لك أن تعذّب في الدنيابجرمك من أن تعذّب في جهنّم مع الإثم.

فقال دمنة: صدقت ونصحت وأنا مفكر فيماذكرت. ولكن العمل فيه شاق مهول وعقاب الأسد شديد أليم.
فانصرف كليلة إلى منزلهمغموماً تحدس نفسه بكل بلاء وشر. فلم يزل كذلك حتى هاج عليه بطنه فمات قبل أن يصبح. وكان في السجن فهد محبوس كان نائماً قريباً من دمنة وكليلة حتى اجتمعا في السجن،فاستيقظ بكلامهما فسمع كل ما دار بينهما من معاتبة كليلة لدمنة على سوء فعله وإقراردمنة بإثمه فحفظ ذلك وكتمه فلم يذكره.

فأصبحت أم الأسد فذكرت للأسد أمر دمنةوعذره وقالت: إن استبقاء الفجار بمثابة قتل الأبرار، وإن من استبقى فاجراً شاركه فيفجوره أو برّا شاركه في برّه.

فلما سمع الأسد كلام أمه أمر القاضي والنمربتعجيل النظر في أمر دمنة والمسألة عنه في عامة الناس، وأن يرفعا إليه ما يلحقبدمنة من ذنب أو سبيل، وما ادعى دمنة من عذر ومخرج.

فخرج النمر والقاضينظران في ذلك من أمره وبعثا إلى دمنة من يأتي به. فلما أتوا به توسط محفل مجلسهمفانتصب قائماً فهجر النر بصوته وقال: إنكم قد علمتم معشر الجند ما دخل على الملك منالحزن في قتل شتربة شفقاً من أن يكون أحد أنهى إليه باطلاً في أمره وشبّه عليه دمنةبالكذب في السعاية به. وقد نصبا للنظر في ذلك، وأنتم محقون ألا تكتموه سراً ولاتذّخروه نصحاً ولا تخفوا عليه جرماً. فليقل كل امرئ منكم بما يعلم وليتكلم به علىرؤوس الجمع والأشهاد، فإنه لا يجب أن تفرط بده بعقوبة أحد لهوىً له أو لغيره من غيراستحقاق المعاقب للعقوبة بجنايته.

قال القاضي: قد سمعتم الذي قيل لكم فلاينبغي لأحد منكم كتمان شيء مما علم من خصال ثلاث: إحداهن الصدق فيما استشهدتم عليهوألا تجعلوا العظيم من الحق صغيراً. فأي عظيم أعظم من ستر ذنب من أورط الأخيارواستزلهم وأهلك بعضهم ببعض بسعايته كذباً وميناً. فالكاتم عليه ليس بريئاً من ضرّجنايته ولا بعيداً من أن يكون شريكاً له في عمله. والثانية معاقبتنا المذنب مقمعةلأهل الريبة، مصلحة للملك والرعية. والثالثة أن الأشرار إذا نفوا من الأرض زاد ذلكالرعية تواصلاً والصالحين سروراً وأهل التناصح اغتباطاً. فليقل كل امرئ منكم ما علملكيما يكون القضاء في ذلك على الحق لا على الهوى والظن.

فلما قصّ قائلهمقوله سكت من حضر فلم ينطق منهم أحد بكلمة لأنهم لم يعلموا من أمره علماً واضحاًيتكلمون به، وكرهوا القول بالظنون خوفاً من أن يدخل قولهم حكماً أن يوقع قتلاً. فلما رأى دمنة سكوتهم تكلم فقال: إني لو كنت مجرماً لسررت بسكوتكم عن القول في أمريإذ لم تعلموا لي جرماً لأن كل من لم يعلم له جرماً فلا سبيل عليه، فهو البريءالمعذور. ولك قول عاقبة عاجلة أو آجلة. فمن عرّضني لعطب بغير علم أو قال في أمريبالشبهة والظن أصابه من عاقبة قوله ما أصاب المتطبب الذي انتجب علم ما لما علم لهبه.

قال القاضي: وكيف كان ذلك؟
مثل المتطببالكاذب

قال دمنة: زعموا أنه كان ببعض مدائنالسند متطبب ذو وفق وعلم، كثير الحظوة فيما يجري على يديه من أسباب العافية فيمايعالج به الناس من طبّه وأدويته. فمات ذلك المتطبب وانتفع الناس بما في كتبه. وإنرجلاً سفيهاً ادعى علم الأدوية وأشاع ذلك في الناس. وكان لملك تلك المدينة ابنة لهاداء ثقيل فبعث الملك يطلب الأطباء فذكر له متطبب على رأس فراسخ يوصف بعلم الطب فبعثإليه. فلما جاءه الرسول وجده قد ذهب بصره من الكبر، فذكروا له علة الجارية وما تجد،فوصف لها دواء له اسم معروف يقال له زمهران. فقالوا له: اخلط لنا هذا الدواء. قال: لست أبصر لأجمع أخلاطه على معرفتي. فأتاهم ذلك السفيه المدعي علم الطب فأعلمهم أنهعارف بذلك الدواء، عالم بالأخلاط والعقاقير، بصير بطبائع الأدوية المفردةوالمركّبة. فأمر الملك بإخراج كتب المتطبب الميت إليه وإدخاله الخزانة ليأخذ ممافيها من أخلاط الأدوية. فلما دخل وعرضت عليه أخلاط الأدوية وهو لا يدري ما هي ولامعرفة له بها، أخذ منها أشياء بغير علم ولا معرفة إلا على الظن والشبهة فوقع في سمقاتل، فأخذه وخلطه بأخلاطه تلك ثم سقى الجارية، فلم تلبث إلا ساعة حتى ماتت. فأخذهالملك فسقاه من دوائه الذي خلطه فمات لوقته.

قال دمنة: إنما ضربت لكم هذاالمثل لتعرفوا ما يدخل على القاتل بالجهالة والعامل بالشبهة من الإثم. ثم تكلم سيدالخنازير صاحب مائدة الملك إتباعاً لهوى أم الأسد، فقال: إن أحق من لم يسأل عنهالعامة ولم يشكل أمره على الخاصة لهذا الشقي الذي قد ظهرت فيه علامات الشر وسماتالفجور وقد عرف العلماء ما الحكم فيها.

قال رأس القضاة: وما تلك العلاماتوالسمات؟ فأطلعنا على ما ترى في صورة هذا الشقي. فجهر سيد الخنازير بصوته وقال: إنالعلماء قد قالوا: إن من صغرت عينه اليسرى وهي لا تزال تختلج، ومال أنفه بعض الميلإلى شقّه الأيمن وبعد ما بين حاجبيه، وكانت منابت شعر جسده ثلاث شعرات ثلاث شعرات،وإذا مشى كان أكثر نظره إلى الأرض ويلتفت تارة بعد تارة، فإن ذلك مستجمع للغدروطباع الآثام والبغي على الصالحين. وهذه العلامات كلها في دمنة.

فلما قضىقوله أكثر دمنة التعجب من كلامه وقال: إن الأمور يحكم بعضها بعضاً وإن حكم اللهصواب لا خطأ فيه ولا جور فيه ولا عدوان. ولو كانت هذه العلامات التي ذكرتهاوأشباهها يناب بها عن العدل والمعرف بالحق، لم يتكلف الناس الحجج ولم كان جزاء أهلالإحسان وجزاء أهل الفجور إلى على هذه العلامات. وهذا لم يوجب عليّ شيئاً لأن هذهالعلامات تخلق مع صاحبها حين يخلق وتولد معه حين يولد. وإن كنت تزعم أن الخير والشرإنما يكونان بالعلامات فكذلك إذاً لا حمد للمحسن ولا ذمّ على المسيء، ولا أجدني فيهذا أيضاَ إلا معذوراً، ولا أراك تنطق إلا بعذري وتذكر براءتي وأنت لا تدري ولاتفكر فيما تقول وإنما أنت في هذا كرجل قال لامرأته: أبصري عيبك يا سفيهة ثم عيبيغيرك.

فسُئِل دمنة كيف كان ذلك؟
مثل الرجلوالمرأتين


قال دمنة: زعموا أن مدينة كانتتدعى بورخشت دخلها الأعداء مرة فقتلوا ممن كان فيها عالماً وسبوا نساءهم واقتسمواالسبي. فأصاب جندي من العدو رجلاً حرّاثاً مع امرأتين. فكان ذلك الرجل يعرّيهم منالكسوة ويصومهم عن المطعم والمشرب. فانطلق الحرّاث يوماً من الأيام مع الرجلوالمرأتين ليحتطبوا فوجدت إحداهما خرقة فاستترت بها فقالت الأخرى لبعلها: ألا تنظرإلى هذه كيف تمشي بخرقتها. فقال زوجها: ويلك ألا تبصرين نفسك فتستري مثلها ثمتكلمي.

فأمرك أنت أعجب فيما قد عرفت من قذارة جسمك ونجاستك وجرأتك على ذلكمن الدنو إلى طعام الملك والقيام عليه وبين يديه كالبريء من العيب والنقيّ منالدنس، ولست بالمطلع على عيبك دون أهل العقل من أهل المجلس. ولم يمنعني من إبداءعيبك قبل اليوم إلا مودة كانت ما بيني وبينك. فأما إذ قد طعنت عليّ وابتدأتنيبالظلم لما انطويت عليه من عداوتي وقذفتني على غير علم بالباطل بمحضر الجند، فإنيقائل بما أعلم من عيبك مبدي الذي أخفيت من دنسك الذي لم يكن معه داع أن تخدم الملكولا أن تخدم الذي تحته. فحقّ على من عرفك حق المعرفة أن يمنع الملك من استعمالكويدفعه إلى عزلك عن طعامه.

فلما سمع سيد الخنازير ذلك من دمنة كفّ وتلجلجلسانه واستحيا وكفّ جميع من حضر من الجمع عن القول في شيء من أمره.

وكان بينالحضور شعهر قد جرّبه الأسد فوجد فيه أمانة وصدقاً فاتخذه في خدمته وأمره أن يحفظجميع ما يجري بينهم ويطلعه عليه. فدخل على الأسد وأعلمه بحديثهم من أوّله إلى آخرهدون أن يكتم عنه شيئاً. فلما سمع الأسد ذلك أمر بعزل سيد الخنازير عن عمله ومنعه منالدخول عليه ورؤية وجهه، ثم أمر بدمنة أن يردّ إلى السجن. وكتب ما جرى في محاكمتهوختم عليه النمر.

وكان لكليلة في حاشية الأسد صديق يدعى روزبة بينه وبينكليلة إخاء ومودة. وكان عند الأسد وجيهاً وعليه كريماً، فانطلق إلى دمنة وأخبرهبموت كليلة الذي قضى إشفاقاً من أن يتلطّخ بشيء من أمر أخيه وحذراً عليه. فبكى دمنةوحزن وقال: ما أصنع بالدنيا بعد مفارقة الأخ الرحيم والصديق الحميم. لقد صدق القائلإن الإنسان إذا ابتلي ببليّة أتاه الشر من كل جانب واكتنفه الهم والحزن من كل مكان. ثم التفت إلى روزبة قائلاً: ولكن أحمد الله تعالى إذ لم يمت كليلة حتى أبقى لي أخاًمثلك. قد وثقت بنعمة الله وإحسانه إليه فيما رأيت من اهتمامك بي ومراعاتك إياي. وقدعلمت أنك رجائي وركني فيما أنا فيه. فأريد من فضلك أن تنطلق إلى مكان كذا وكذافتنظر ما جمعته أنا وأخي كليلة بحيلتنا وسعينا ومشيئة الله تعالى فائتنابه.

ففعل روزبة بما أمره دمنة وأتى بمال كثير وضعه بين يديه. فأعطاه دمنةأكثره وقال: إنك على الدخول والخروج على الأسد إذا شئت أقدر من غيرك فتفرّغ لشأنيواصرف اهتمامك إليّ واسمع ما أذكر به عند الأسد إذا رفع إليه ما جرى بيني وبينالخصوم، وما يبدو من أم الأسد من حقي، وما ترى من موافقة الأسد لها ومخالفته إياهافي أمري، واحفظ ذلك كله وأعلمني به.

فأخذ روزبة ما أعطاه دمنة وانصرف إلىمنزله.

فلما أصبح الأسد من الغد جلس حتى إذا مضى من النهار ساعات استأذن عليأصحابه فأذن لهم فدخل القاضي وطائفة من الوجوه ووضعوا بين يديه كتاب ما قال دمنة فيمعاذيره. فقبض الأسد ذلك الكتاب وأمرهم بالانصراف عنه.

ثمأرسل إلى أمه فقرأعليها ذلك الكتاب فشقّ عليها ما سمعت ونادت بأعلى صوتها: إن أنا أغلظت لك أيهاالملك فلا تغضب.

قال الأسد: لست أغضب فقولي ما أحببت.

قالت: ما أراكتعرف ما يضرّك مما ينفعك. وإني لأحسب دمنة في طول تصريفك النظر في أمره سيهيّج عليكما لا تقعد له ولا تقوم. ولهذا كنت أنهاك عن سماع كلام هذا المجرم المسيء لديناقديماً الغادر بذمتنا. ثم قامت وخرجت وهي غضبانة.

فخرج روزبة في إثرهامسرعاً حتى أتى دمنة فأخبره بما قالت أم الأسد. فلما كان في الغد بعث القاضي إلىدمنة فأخرجه وشاور عليه ثم قال: يا دمنة قد أنبأني بخبرك الأمين الصادق وليس ينبغيلنا أن نفحص عن شأنك أكثر من هذا لأن العلماء قالوا إن الله تعالى جعل الدنيا سبباًومصداقاً للآخرة، ولأنها دار الرسل والأنبياء الدالين على الخير الهادين إلى الجنةالداعين إلى معرفة الله تعالى. وقد ثبت شأنك عندنا وأخبرنا عنك من وثقنا بقوله. إلاأن سيدنا الأسد أمرنا بالعود إلى أمرك والفحص عن شأنك وإن كان عندنابيّناً.

قال دمنة: أراك أيها القاضي لم تتعوّد العدل في القضاء وليس في عدلالملوك دفع المظلومين ومن لا ذنب لهم إلى قاض غير عادل، بل يأمرون بمحاكمتهم والذودفي حقوقهم. والعلماء لم يقولوا في حقي شيئا.

فقال له القاضي: إنه وإن سكتجميع من حضرك ولم يقولوا شيئاً فإن ظنونهم قد اجتمعت على أنك مجرم ولا خير لك فيالحياة بعد استقرار تهمتك في قلوبهم، فلا أرى شيئاً خيراص لك من الإقرار بذنبكفتخرج لعتقك من تبعة الآخرة ويعود لك حسن قول في أمرك لخصلتين: إحداهما قوتك علىالمخارج وافتعال المعاذير التي تدفع بها عن نفسك، والأخرى إقرارك بذنبك اختياراًللسلامة في الآخرة عن سلامة الدنيا. فإن العلماء قد قالت: إن الموت فيما يجمل خيرٌمن الحياة فيما يقبح.

فأجابه دمنة: إن القضاة لا تقضي بظنونها ولا بظنونالعامة ولا الخاصة. وقد علمت أن الظن لا يغني من الحق شيئاً. فإني وإن ظننتم جميعاًأني صاحب هذا الجرم فإني أعلم بنفسي منكم، وعلمي بنفسي يقين لا شك فيه. وإنما قبحأمري في أنفسكم لأنكم ظننتم أني سعيت بغير زوراً، فما عذري عندكم لو سعيت بنفسيكاذباً عليها فأسلمتها لتقتل على معرفة ببراءتها؟ فهي أعظم الأنفس عليّ حرمةوأكرمها حقا. ولو فعلت ذلك بأدناكم أو أقصاكم لم يسعني ذلك في ديني ولم يجمل بي فيخلقي. فاكفف إذن عني هذه المقالة. فإن كانت هذه منك نصيحة فقد أخطأت موضعها، وإنكمانت منك خديعة فإن أقبح الخداع ما فطن له. وليس الخداع ولا المكر من أخلاق صالحالقضاة. وإلا فاعلم أن قولك هذا حكم منك وسنة لأن كل أمر أمرت به القضاة يحكمبصوابه أهل الصواب ويتخذونه سنة ويصير خطأه عدلاً لأهل الأدغال. وإن من شقاء جديأيضاَ أنك لم تزل في أنفس الناس فاضلاً في رأيك وفي حكمك حتى أنسيت ذلك في أمريفتركت علم القضاة وانصرفت إلى العمل بالظنون التي تختلف بها الحالات في الأمور. أوما بلغك عن العلماء أنهم قالوا: من ادعى علم ملا لا يعلم وشهد بالغيب أصابه ما أصابالبازيار القاذف عبد مولاه.
قال القاضي: وكيف كان ذلك؟

قال دمنة: زعمواأنه كان في بعض المدن رجل من المرازبة مذكور وكان له عبد صالح جعله وكيله يأتمنهعلى كل خزائنه. وكان للرجل بازيار ماهر خبير بسياسة البزاة وعلاجها. وكان البازيارعند المرزبان بمكان جليل بحيث أدخله داره وأجلسه مع أهله. فاتفق أن البازيار حسدعبد الرجل وفكّر له الشر ليطرده مولاه. فعمل الحيلة في بلوغ غرضه فضاقت عليه أبوابالحيل وتعذّرت عنه الأسباب. فخرج يوماً إلى الصيد على عادته، فأصاب فرخي ببغاءفأخذهما وجاء بهما إلى منزله ورباهما، فلما كبرا فرّق بينهما وجعلهما في قفصينوعلّم أحدهما أن يقول: رأيت الوكيل يختلس مال سيده خفية. وعلّم الآخر أن يقول: هذاصحيح ثم أدبهما على ذلك مدة حتى حذقاه وأتقناه.

فلما بلغ منهما ما أراده إلىأستاذه. فلما رآهما أعجباه ونطقا بين يديه فأطرباه. إلا أنه لم يعمل ما يقولان لأنالبازيار كان علّمهما ذلك بلغة العجم التي يجهلها المرزبان. وكان هذا مولعاًبالببغاءين يلهو بهما. وحظي البازيار عنده بذلك حظوة عظيمة وأمر امرأته بالمراعاةلهما والاحتياط عليهما والتعاهد لطعامهما وشربهما.

واتفق بعد مدة أن قدم علىالمرزبان قوم من أعاظم أعاجم بلخ فتأنق لهم بالطعام والشراب وقدم لهم من اصنافالفواكه والتحف شيئاً كثيراً. ولما فرغوا من الأكل وشرعوا في الحديث أشار إلىالبازيار أن يأتي بالببغاءين فأحضرهما. فلما صاحا بين يديه وسمعهما الضيوف عرفوا مايقولان ونظر بعضهم إلى بعض.

فسألهم الرجل عما قالتا فامتنعوا أولا، فألحعليهم بالسؤال إلى أن أقروا قائلين: إنما تقولان كذا وكذا بحق عبدك وكيل أموالك. فلما قالوا ذلك أمرهم المرزبان أن يكلموا الطيرين بغير ما نطقا به ففعلا ذلك ولميجدوهما تعرفان غير ما تكلمتا به، وبان للرجل والجماعة براءة الوكيل مما رمي بهوثبت كذب البازيار الذي علمهما ذلك فانتهره الوكيل: أيها العدو لنفسه أأنت رأيتنيأختلس مال سيدي وأخفيه؟ قال: نعم أنا رأيتك. فلما قا لذلك وثب باز عن يده إلى عينيهففقأهما. فقال العبد. بحق أصابك هذا، إنه لجزاء من الله تعالى لشهادتك بما لم ترهعيناك.

وإنما ضربت لك هذا المثل أيها القاشي لتزداد علماً بوخامة عاقبةالشهادة بالكذب في الدنيا والآخرة. فلما سمع القاضي والحضور احتجاج دمنة كتبوا ذلككله ورفعوه إلى الأسد، فنظر فيه ودعا أمه فعرض ذلك عليها فكان من قولها أن قالت: لقد صار اتهامي بأن يحتال لك دمنة بمكره ودهائه حتى يتلك أن ينقض عليك أمرك أعظم مناهتمامي بما سلف من ذنبه إليك من الغش والسعاية بوزيرك وصفيّك حتى قتلته بغير ذنب. فوقع قولهما في نفس الأسد فقال لها: أخبرني عن الإنسان الذي أنبأك بما سمع من كلامكليلة ودمنة، فإن قتلته ذلك حجة على دمنة.

قالت: إني أكره أن أفشي سراًاستظهرت عليه بركوب ما نهت عنه العلماء من كشف الأسرار، ولكني سأطلب إلى الذي ذكرلي ذلك أن يحللني من ذكره لك أو أن يفوه هو بما علم وما سمع.

ثم انصرفتفأرسلت إلى النمر فأتاها، فذكرت له فضل منزلته عند الأسد وما يحق عليه من تربيتهوحسن معاونته على الحق وإخراج نفسه من الشهادة التي لا يكتمها مثله مع ما يحق عليهمن نصرة المظلومين والمعاونة على تثبيت حجّتهم يوم القيامة. فلم تزل به حتى جاءفشهد على دمنة بما سمع من كلامه وكلام كليلة.

ولما شهد النمر على دمنة بذلك،أرسل الفهد المسجون الذي سمع قول كليلة لدمنة ليلة دخل عليه في السجن أن عندي شهادةفأخرجوني لها. فبعث إليه الأسد فشهد على دمنة بما سمع من قول كليلة وتوبيخه إياهبدخوله بين الأسد والثور بالكذب والنميمة حتى قتله الأسد وإقرار دمنةبذلك.

قال له الأسد: فما منعك أن تكون أعلمتنا بشهادتك عن دمنة حين سمعت ذلكمنه.

قال الفهد: منعني من ذلك أن شهادتي وحدي لم تكن توقع حكماً ولا تحجّخصماً، فكرهت القول في غير منفعة.

فاجتمعت على دمنة شهادتان فأرسلهما الأسدإلى دمنة ثم بكّته الشاهدان في وجهه بمقالته فأمر به الأسد فغلّظ عليه الوثاق ثمترك في السجن حتى مات جوعاً. فهذا ما صار إليه أمر دمنة وكذلك تكون عواقب البغيومواقع أهل الحسد والكذب.
باب البوم والغربان

قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف. قد ضربت لي مثل إخوان الصفا المتعاونينالمتحابين، فاضرب لي، إن رأيت، مثل العدو الذي ينبغي أن لا يغترّ به وإن أظهر حسنالصفح تضرّعاً وملقاً في العلانية.

قال الفيلسوف: من اغترّ بالعدو الأريبالمعروف بالعداوة أصابه من ذلك ما أصاب الغربان.

قال الملك: وكيف كانذلك؟

قال الفيلسوف: إنه كان بأرض في جبل من الجبال شجرة عظيمة كأعظم ما تكونمن الدوح، ذات أغصان ملتفّة. وكان فيها وكرٌ لألف غراب عليهم ملك منهم. وكان في ذلكالجبل أيضاً مكان فيه ألف بومة عليهن أيضاً ملك منهن. فخرج الملك البوم ليلة لبعضأموره وفي نفسه عداوة لم تزل بين البوم والغربان. فأغار على الغربان بمن معه منالبوم فقتل منهم كثيراً وجرح منهم كثيراً. فلما أصبح ملك الغربان جمع ذويه فقاللهم: قد رأيتم ما لقينا من البوم وكم أصبح فيكم من قتيل وجريح ومنتوف الرأس والجناحوالذنب. وأشد من ذلك كله في نفس ضراوتهن ثم علمهن بمكانكم وجرأتهن عليكم مثل الذيذقتم وهنّ غير غافلات عنكم فانظروا في أمركم في مهل.

وكان فيهم خمسة غربانمعترف لهم بفضيلة الرأي، كان الغربان يسندون إليهم أمورهم ويفزعون إليهم فيما نزلبهم، وكان الملك يشاورهم في أموره ويأخذ برأيهم. فقال الملك لأحدهم: ما رأيك في هذاالأمر؟

قال الغراب: هذا رأي سبقتنا إليه العلماء فقالوا: ليس لعدوّ الحنقالذي لا يطاق له حيلة إلا الهرب منه.

قال الملك للثاني: ما رأيك أنت في هذاالأمر؟ قال: أما ما أشار به هذا من الفرار فلا أراه م الصواب. فكيف نجلو عن بلادناوعن أوطاننا ونذلّ لعدوّنا عند أول نكبة أصابتنا، ولكنا نجمع أمرنا ونستعدّ لمجاهدةعدونا ونذكي العيون فيما بيننا وبينه ونحترس من العودة والغرّة، فإن أقبل إليناعدونا لقيناهم مستعدين لقتالهم فقاتلناهم مزاحفة حتى تلقى أطرافنا أطرافهم، ونتحرزمنهم تحرّزاً حصيناً وندافع عدونا بالأناة مرة وبالجهاد أخرى حتى نصيب فرصتنا أويعيينا ذلك فنهرب وقد مهّدنا لنا عذراً.

قال الملك للثالث: وأنت ما رأيك؟قال: ما أرى ما قال، ولكني أريد أن تذكى العيون والطرائع بيننا وبين عدونا فنتجسسونعلم هل يريد عدونا صلحاً أو يقبل منا ديةً. فإن رأينا من ذلك أمراً موافقاً لمأكره أن نصالحهم على خراج نؤديه إليهم، فندع عن أنفسنا بأسهم ونطمئن في وطننا. فإنّمن الرأي للمولك إذا اشتدت شوكة عدوهم وخافوا على أنفسهم الهلكة والفساد على بلادهموالدمار على رعيتهم أن يجعلوا الأموال جنةً للملوك والبلاد والرعية.

قالالملك للرابع: فما رأيك في هذا الصلح؟ قال: لا أراه رأياً بل ترك أوطاننا والاصطبارعلى الغربة وشدة المعيشة خير من وضع أحسابنا والخضوع للعدو الذي نحن أشرف منهوأكرم. مع أني قد عرفت أن لو قد عرضنا ذلك عليهم لم يرضوا فيه إلا بالشطط. وقد كانيقال: قارب عدوك بعض المقاربة تنل حاجتك، ولا تقارب كل المقاربة فيجترئ عليك عدوّكويضعف جندك ويذلّ نفسك. ومثل ذلك مثل الخشبة المنصوبة في الشمس إذا أملتها قليلاًزاد ظلها وإن جاوزت الحد في إمالتها نقص الظل. وليس عدونا براض منا بالدون منالمقاربة. فالرأي لنا المحاربة والصبر.

قال للخامس: ما ترى، ألقتال أو الصلحأو الجلاء؟ فقال: أما القتال فلا سبيل إلا قتال من ليس المرء بقرن له لأن من يعرفنفسهوعدوّه فقاتل من ليس هو قرناً له فنفسه أجهد مع أن العاقل لا يستضعف عدواً. ومن فعل ذلك اغتر، ومن اغتر لم يسلم وإنا للبو شديدو الهيبة، ولو أضربت عن قتالناوكنت أهابها قبل إيقاعها بنا. فإن الحازم لا يأمن عدوه على كل حال. فإن كان بعيداًلم يأمن معاودته، وإن كان قريباً لم يأمن مواثبته، وإن كان كثيفاً لم يأمن استطرادهوكربه، وإن كان وحيداً لم يأمن مكره. وأكيس الأقوام من لم يلتمس الأمر بالقتال إذاوجد غير القتال سبيلاً. فإن النفقة في القتال إنما هي من الأنفس. وسائر الأشياءإنما النفقة فيها من المال. فلا يكونن قتال البوم من رأيك. فإن من يرى القتل لا يرىكل الخير.

قال الملك: إذا كرهت القتال ماذا ترى؟ قال: تؤامر وتشاور. فإنالملك المؤامر المشاور يصيب في مؤامرته نصحاً من ذوي العقول فيظفر بما لا يصيبهبالجنود والزحف وكثرة العدد. والملك الحازم يزداد في المؤامرة والتشاور ورأيالوزراء والحزمة، كما يزداد البحر بالسواعد من الأنهار. ولا يخفى على الحازم قدرأمره وأمر عدوّه وفرصة قتاله ومواضع رأيه ومكايدته، ولا ينفك يعرض الأمور على نفسهأمراً أمراً يتروّى في التقدم على ما يريد منه الأعوان الذين يستعين بهم عليهاوالعدة التي يعدها لهم. فمنلم يكن له رأي كذلك ولا نصيحة من الوزراء العقلاء الذييقبل منهم، لا يلبث، وإن ساقت إليه الأحوال حظاً، أن يضيع أمره. فإن الفضل المقسوملم يقيّض للجهّال ولا للحسب، ولكنه وكّل بالعاقل المستمع من ذويالعقلاء.

وأنت أيها الملك كذلك وقد استشتني في أمور أريد أن أجيبك في بعضهاسراً وفي بعضها علانية. فأما ما لا أكره أن أعلنه فكما أني لا أرى القتال كذلك لاأرى الخضوع بالخراج والرضا بدل القهر. فإن العاقل الكريم يختار الموت صابراًمحافظاً على الحياة عرياناً ذليلاً. وأرى ألا يؤخر النظر في أمرنا ولا يكونن منشأنك التثبط والتهاون، فإن التثبط والتهاون رأس المعجزة. فأما ما أريد إسراره فليكنسراً. فإنه قد كان يقال "إنما يصيب الملوك الظفر بالحزم، والحزم بأصالة الرأي،والرأي بتحصين الأسرار أو الرسل المستمعين للكلام أو من قبل الناظرين في أثر الرأيأو مواقع العمل أو من التشبيه والتطنّز. ومن حصّن سره فله من تحصينه إياه أمران: إما ظفر بما يريد وإما أن يسلم من ضره وعيبه إن أخطأ".

ولا بد لصاحب السر منمستشار مأمون يفضي إليه بسره ويعاونه على الرأي. فإن المستشير وإن كان أفضل منالمستشار رأياً فإنه يزداد برأيه رأياً كما تزداد النار بالودك ضوءاً. وعلىالمستشار موافقة المستشير على صواب ما يرى والرفق في تبصيره خطأ إن أتى به وتقليبالرأي فيما يشكل حتى يتفق شأنهما. فإذا لم يكن المستشار كذلك فهو على المستشير مععدوه، كالرجل الذي يرقي الشيطان ليرسله على الإنسان، فإذا لم يحكم الرقية أضحى هوأسيراً للشيطان. وإذا كان الملك محصّناً للأسرار متحيّزاً للوزراء مهيباً في أنفسالعامة بعيداً من أن يعلم ما في نفسه لا يضيع عنده حسن بلا مثلى. وإن كان ذا حزممقتدراً لم يقتّر فيما ينفق ولم يسرف، كان خليقاً أن لا يسلب صالح ما أوتي. وللأشرار منازل. فمن الشر ما يدخل في الرهط، ومنه ما يدخل فيه الرجلان، ومنه مايستعان فيه بالقوم. ولا أرى لهذا السرّ في قدر منزلته ألا يشترك فيه أربع آذانولسانان.
فنهض الملك وخلا به واستشاره فكان فيما سأل عنه أن قال: هل تعلم ما كان بدء عداوةما بيننا وبين البوم، قال: نعم، كلمة تكلّم بها غراب.

قال الملك: وكيف كانذلك؟
أصل العداوة بين الغرابوالبوم

قال الغراب: زعموا أن جماعة من الطير لميكن لها ملك وأنها اجتمعت على بوميّ لتملّكه. فبينما في مجمعها إذ رفع لها غرابفقال بعضهن: انتظرن هذا الغراب فنستشيره في أمرنا. فأتاهن الغراب فاستشرنه، فقالالغراب: لو أن الطير بادت وفقد الطاووس والكركيّ والبط والحمام لما اضطررتن إلىتمليك البوم، أقبح الطير منظراً، وأسوئها مخبراً، وأقلها عقولاً، وأشدها غضباً،وأبعدها رحمة، مع ما بها من الزمانة والعشاء بالنهار. ومن شر أمورها سفهها وسوءخلقها إلا أن تملكنها وأنتن المدبرات للأمور دونها برأيكن وعقولكن. فإذا كان الملكجاهلاص ووزراؤه صالحين نفذ أمره وتم رأيه واستقام علمه ودامت مملكته كما فعلتالأرنب التي زعمت أن القمر ملكها وعملت برأيه كأنها مرسلة منه.

قالت الطير: وكيف كان ذلك؟

مثل ملك الفيلة ورسول الأرانب

قال الغراب: زعموا أنأرضاً من أراضي الفيلة تتابعت عليها السنون فأجدبت وقلّ ماؤها وغارت عيونها فأصابتالفيلة عطش شديد فشكوا ذلك إلى ملكهم. فأرسل ملك الفيلة رسله وروّاده في التماسالماء في كل ناحية. فرجع إليه بعض رسله فأخبروه أنهم وجدوا بمكان كذا وكذا عيناًتدعى القمرية كثيرة الماء. فتوجّه ملك الفيلة بفيلته إلى تلك العين ليشربوا منهاوكانت الأرض أرض أرانب، فوطئت الفيلة الأرانب في أجحارها ومجاثمها، فاجتمعت الأرانبإلى ملكهن فقلن: قد علمت ما أصابنا من الفيلة فاحتل لنا قبل رجوعهم، فإنهم إذارجعوا لوردهم أهلكونا.

قال الملك: ليحضرنّ كل ذي رأي منكن رأيه. فتقدم خزرٌمنها يدعى فيروز كان الملك قد عرفه بالأدب والرأي، فقال: إن رأى الملك أن يبعثنيإلى الفيلة ويبعث معي أميناً يرى ويسمع ما أقول وأصنع ليخبر به الملكفليفعل.

قال ملك الأرانب: أنت أميني ونحن نرضى بك وبرأيك ونصدّق قولك فانطلقإلى الفيلة وبلّغ عني ما أحببت واعمل برأيك، واعلم أن الرسول به وبرأيه يعتبر عقلالمرسل وكثير من شأنه. وعليك باللين والمؤاتاة فإن الرسول هو الذي يلين القلب إذارفق ويخشّن الصدر إذا خرق.

فانطلق الخرز في ليلة فيها القمر طالع حتى انتهىإلى الفيلة، وكره أن يدنو منهن فيطأنه وإن هنّ لم يردن ذلك. فأشرف على تلّ فنادى: يا ملك الفيلة إنه أرسلني إليك القمر والرسول مبلّغ غير ملوم وإن أغلظ.

قالملك الفيلة: وما الرسالة؟

قال فيروز: يقول القمر إنه من عرف فضل قوته علىالضعفاء فاغترّ لذلك بالأقوياء كانت قوته خبالاً له. وقد عرفت فضل قوتك على الدوابفغرّك ذلك مني فعمدت إلى عيني التي تسمى باسمي فشربت ماءها وقذّرتها وكدّرتهابفيلتك. وإني أتقدم إليك وأنذرك أن تعود فأغشي بصرك واتلف نفسك. وإن كنت في شك منرسالتي فهلمّ إلى العين من ساعتك فإني موافيك فيها.

فعجب ملك الفيلة في قولفيروز، فانطلق إلى العين معه فنظر إليها فرأى ضوء القمر فقال له فيروز: هذ بخرطومكمن الماء فاغسل وجهك واسجد للقمر. فأدخل الفيل خرطومه في الماء فتحرّك، فخيّل إليهأن القمر ارتعد فقال: ما شأن القمر ارتعد؟ أتراه غضب عليّ لإدخالي خرطومي في الماء؟فقال فيروز: نعم فاسجد له ثانية. فسجد الفيل للقمر مرة أخرى وتاب إليه مما صنع به،وشرط له ألا يعود إلى تلك العين هو ولا شيء من فيلته.

قال الغراب: ومع ماذكرت من أمر البوم أن من شأنها الخبّ والمكر والخديعة. وشرّ الملوك المخادع ومنابتلي بسلطان المخادعين وحكّمهم أصابه ما أصاب الصفرد والأرنب اللذين حكّما السنورالصوام؟
مثل الصّفرد والأرنب والسّنّورالصّوّام

قال الغراب: كان لي جار من الصفارد فيسفح جبل، وجحره قريب من الشجرة التي فيها وكري، فكان يكثر التقاؤنا ومواصلتنا علىجوارنا. ثم فقدته فلم أدر أين غاب، وطالت غيبته حتى ظننت أنه قد هلك. فجاءت أرنبإلى مكان الصفرد ولبثت في ذلك المكان زماناً. ثم إن الصفرد رجع إلى مكانه، فلما وجدالأرنب فيه قال: هذا مكان فانطلقي عنه.

قالت الأرنب: المسكن في يدي، وأنتالمدّعي، فإن كان لك حق فاستعد عليّ.

قال الصفرد: المكان مكاني، ولي على ذلكالبيّنة.

قالت الأرنب: نحتج إلى القاضي.

قال الصفرد: إن قريباً مناعلى شاطئ البحر سنّوراً متعبداً يصلي النهار كله لا يؤذي دابة ولا يريق دماً، ويصومالدهر لا يفطر، عيشه من العشب وورق الأشجار، فاذهبي الليلة إليهأحاكمك.

قالت الأرنب: نعم. فانطلقا جميعاً وتبعتهما لأنظر إلى الصوام العابدالزاهد وإلى قضائه بينهما، فلما صارا إلى السنوا قصّا عليه قصتهما.

فقالالسنور: أدركني الكبر وضعف البصر، وثقلت أذناي فما أكاد أن أسمع فادنوا منيفأسمعاني قريباً. فأعادا القصة فقال: "قد فهمت ما قصصتما وأنا بادئكما بالنصيحة قبلالقضية، فآمركما ألاّ تطلبا إلا الحق. فإن طالب الحق هو الذي يفلح وإن قضي عليه،وطالب الباطل مخصوم. وليس لصاحب الدنيا من دنياه شيء من مال ولا صديق إلا عمل صالحقدّمه. فذو العقل حقيق ويمقت ما سوى ذلك. ومنزلة المال عند العاقل منزلة المدر. ومنزلة الناس عنده فيما يحب لهم من الخير ويكره لهم من الشر منزلة نفسه". فلم يزليقص عليهما ويستأنسان فيدنوان منه حتى وثب عليهما فضمّهما إليه فقتلهماجميعاً.

قال الغراب: فالبوم يجمعن مع سائر ما وصفت لكم المكر والخديعة فلايكوننّ تمليك البوم من رأيكن. فلما سمع الطير خطبة الغراب أضربن عن رأيهن ولميملّكن البوم.

وكان هناك بومة حاضرة سمعت كلام الغراب فقالت له: لقد وترتنيأعظم التّرة، فما أدري هل كان سلف مني إليك سوءٌ استحققت به هذا منك؟ وإلاّ فاعلمأن الفؤوس يقطع بها الشجر فتنبت وتعود، والسيف يقطع به اللحم والعظم فيندمل ويلتئم،واللسان لا يندمل جرحه، والنصل من النشابة يغيب في الجوف ثم ينزع، وأشباه الأنصالمن القول إذا وصلت إلى القلب لم تنزع ولم تستخرج. ولك حريق مطفئ، فللنر الماء،وللسم الدواء، وللعشق القرب، وللحزن الصبر، ونار الحق لا تخبو. وإنكم معاشر الغربانقد غرستم بيننا أبداً شجرة الحقد والبغضاء.

فقضت البوم مقالتها هذه وولتمغضبة وانصرفت موتورة، وندم الغراب على ما فرط منه، وقال في نفسه: "لقد خرقت فيماكان من قولي الذي جلبت به العداوة على نفسي وعلى قومي، ولم أكن أحقّ الطير بهذهالمقالة ولا أعبأها بأمر ملكها. ولعلّ كثيراً قد رأوى الذي قد رأيت وعلموا الذي قدعلمت فمنعهم من الكلام فيه اتقاء ما لم أتق والنظر فيما لم أنظر فيه من العاقبة. ثملا سيما إذا كان الكلام مواجهة، فإن الكلام الذي يستقبل فيها قائله السامع بما يكرهمما يورث الحقد والضغينة ولا ينبغي له أن يسمى كلاماً ولكن يسمّى سمّاً. فإن العاقلوإن كان واثقاً بقوله وفضله لا يحمله ذلك على أن يجني على نفسه عداوة وبغضاًاتكالاً على ما عنده من الرأي والقوة. كما أن العاقل لا يشرب السم اتكالاً على ماعنده من الترياق، وصاحب حسن العمل وإن قصّر به القول في بديهته تبين فضله عندالخبرة وعاقبة الأمر. وصاحب القو وإن هو أعجب ببديهته وحسن صفته فلا يحمد مغبّةأمره. وأنا صاحب القول الذي لا عاقبة له محمودة. أوليس من سفهي اجترائي على التكلمفي الأمر الجسيم لا أستشيره فيه أحداً ولا أتروّى فيه مراراً، وأنا أعلم أن من لميستشر الفصحاء الألبّاء بتكرار النظر والروية لم يسرّ بمواضع رأيه. فما كان أغنانيعما كسبت في يومي هذا وما وقعت فيه".

فعاتب الغراب نفسه بهذا ثمانطلق.

فهذا ما سألتني عنه من العلة التي بدأت بها العداوة بين البوموالغربان.

قال الملك: قد فهمت هذا، فحدّثنا بما نحن أحوج إليه وأشر علينابرأيك والذي ترى أن نعمل به فيما بيننا وبين البوم.

قال: أما القتال فقدفرغت من رأيي فيه وأعلمتك كراهتي له. ولكن عندي من الرأي والحيلة غير القتال، وأناأرجو أن أقدر من الحيل على بعض ما في فرج. فإنه رُبّ قوم قد احتالوا بآرائهم للأمرالجسيم حتى ظفروا منه بحاجتهم التي لم يكونوا يقدرون عليها بالمكثرة، كالنفر الذينمكروا بالنساك حتى ذهبوا بعريضه.

قال الملك: وكيف كان ذلك؟
مثل الناسك والعريضواللصوص

قال: زعموا أن ناسكاً اشترى عريضاًضخماً سميناً ليجلعه قرباناً، فانطلق به يقوده فبصر به نفر مكرة فائتمروا ليخدعنوه،فعرض له أحدهم فقال: أيها الناسك ما هذا الكلب الذي معك؟ ثم عرض له آخر فقال: أيهاالناسك أظنك تريد الصيد بهذا الكلب. ثم عرض له ثالث فقال: إن هذا الرجل الذي عليهلباس الناسك ليس بناسك. فإن الناسك لا يقود كلباً. فقال الناسك: لعل الذي باعني سحرعينيّ. فخلّى العريض وتركه فأخذه النفر واقتسموه بينهم.

وإنما ضربت لك هذاالمثل لما رجوت أن نصيب من حاجتنا بالمكر. فأنا أرى أن يغضب الملك عليّ فيأمر بيعلى رؤوس جنده فأضرب وأنقر حتى أتخضّب بالدماء، ثم ينتف ريشي وذنبي ثم أطرح في اصلالشجرة التي نحن عليها، ويرتحل الملك وجنوده إلى مكان كذا وكذا، حتى أمكر مكريوأحتال على البومة بحيلة يكون فيها هلاكهن. ثم آتي الأمر على علم وأطلعك علىأحوالهن فننال غرضنا منهن إن شاء الله.

ففعل ذلك وارتحل مع غربانه إلىالمكان الذي وُصف له. ثم إن البوم جاءت من ليلتها فلم تجد الغربان ولم تفطن للغرابفي أصل الشجرة. فأشفق أن ينصرفن من قبل أن يروه فيكون تعذيبه نفسه باطلاً، فجعليئنّ ويهمس حتى سمعته بعض البوم. فلما رأينه أخبرن به ملكهن فعمد نحوه في بوماتليسأله عن الغربان. فلما دنا منه أمر بومة أن تسأله من هو وأين الغربان؟

قالالغراب: أنا فلان ابن فلان، وأما ما سألتني عنه في أمر الغربان فلا أحسبكن تريننيفي حال من لا يعلم الأسرار.

قال ملك البوم: هذا وزير ملك الغربان، وصاحبرأيه، فاسألوه بأي ذنب صنع به ما صنع؟

قال الغربان: سفّهوا رأيي وصنعوا فيّهذا.

قال الملك: وما هذا السفه؟
قال الغراب: إنه لما كان من إيقاعكنّ بناما كان، استشارنا ملكنا فقال: أيها الغربان ما ترون؟ وكنت من الأمر بمكان فقلت: "أرى أنه لا طاقة لكم لقتال البوم فإنهن أشد بطشاً منكم وأجرأ قلوباً، ولكن الرأيلكم أمران: نلتمس الصلح ونعرض الفدية. فإن قبلن ذلك منكم وإلا هربتم في البلاد. وأخبرت الغربان أن قتالهم إياكن خير لكن وشرّ لهم، وأن الصلح أفضل ما هم مصيبونمنكنّ وأمرتهم بالخضوع. وضربت لهم مثلاً في ذلك فقلت: إن العدو الشديد لا يرد بأسهوغضبه مثل الخضوع له. ألا ترون الحشيش إنما يسلم من الريح العاصفة بلينه وانثنائهحيث مالت. فغضبوا من قولي وزعموا أنهم يريدون القتال واتهموني وقالوا: إنك قد ملأتالبوم علينا. وردّوا رأيي ونصيحتي وعذّبوني هذا العذاب".

فلما سمع ملك البومما قال الغراب قال لأحد وزرائه: ما ترى في هذا الغراب. قال: "ليس لك في أمره نظرٌإلا المعالجة بالقتل. فإن هذا من أعز أصحاب ملك الغربان وأقرب إليه محلاً وأفضلعنده رأياً وأشد منه خداعاً، وفي قتله لنا فتح عظيم وراحة لنا من رأيه ومكيدته،وفقده على الغربان شديد. وكان يقال: من استمكن من الأمر الجسيم فأضاعه لم يقدر عليهثانية، ومن التمس فرصة العمل فأمكنته فأغفل عمله فاته الأمر ولم تعد إليه الفرصة. ومن وجد عدوّه ضعيفاً معوزاً فلم يسترح منه أصابته الندامة حين يبغي العدوّ ويستعدفلا يقوى عليه".

قال الملك لآخر من وزرائه: ما ترى في هذا الغراب. قال: "أرىألا تقتله. فإن العدو الذليل الذي لا شوكة له أهل أن يرحم ويستبقى ويصفح عنه. والمستجير الخائف أهل أن يؤمّن ويجار مع أن الرجل ربما عطفه على عدوّه الأمراليسير، كالسارق الذي عطف على التاجر امرأته بأمر لم يتعمّده".

قال الملك: وكيف كان ذلك؟
يتبع

اضغطي على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي



||اَخر مواضيع ~ ام اينانا :

0 اصول بعض العشآئر العراقية ..دمج موضوعين ام اينانا + Miss Perfume
0 الافندي .. الافندي .. عيوني الافندي ..)
0 جنين يخرج يده من بطن امـــه !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
0 قصة واقعية اعجبتني...
0 الفرق بين امتحــــان الله

  رد مع اقتباس
قديم منذ /31-01-2009   #5
 

ام اينانا

 

 

الصورة الرمزية ام اينانا

 
الملف الشخصي








تم شكرها 7 مرة في 6 مشاركة
الحالة
ام اينانا غير متواجده حالياً


ام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond repute

اوسمة العضوه

الوسام الفضي   مجموع الاوسمة: 1
افتراضي

مثل التاجر وامرأتهواللص

قال الوزير: زعموا أنه كان تاجر كثيرالمال وهو شيخ مسن له امرأة شابة وكان كلفاً بها يعتني بأمرها وأمر ولدها. وكانت هيقالية له لكبر سنه فتعرض عن خدمته. وكان التاجر يعلم ما في نفسها فلا يزيده ذلك إلاحباً لها. ثم إن سارقاً أتى بيت التاجر ليلة، فلما دخل البيت وجد التاجر نائماًوامرأته مستيقظة، فذعرت من السارق ووثبت إلى زوجها واستجارت به والتزمته. فاستيقظالتاجر بالتزامها فقال: من أين لي هذه النعمة؟ ثم بصر السارق وعلم أن فرق امرأته منالسارق دعاها إلى للياذ به، فناداه فقال: أيها السارق أنت في حلّ مما أردت أخذه منمالي ومتاعي ولك الفضل بما عطفت عليّ قلب زوجتي.

ثم إن الملك سأل الثالث منوزرائه عن الغراب، فقال: "أرى أن تستبقيه وتحسن إليه فإنه خليق أن يناصحك. فإن ذاالعقل يرى ظفراً حسناً معاداة بعض معدوّه بعضاً، ويرى اشتغال بعض العدوّ ببعضواختلافهم نجاة لنفسه منهم كنجاة الناسك من اللص والشيطان لما اختلفاعليه".

قال الملك: وكيف كان ذلك؟

قال الوزير: زعموا أن ناسكاً أصابمن رجل بقرة حلوباً، فانطلق بها يقودها إلى منزله فتبعه لصّ يريد سرقتها، وصحبتهشيطان في صورة إنسان. فقال اللص للشيطان: من أنت؟ قال: أنا شيطان أريد أن أختطف نفسهذا الناسك إذا نام الناس فأخنقه وأذهب بنفسه. وسأل الشيطان اللص: وأنت من أنت؟قال: أنا لص. فإني أريد أن أتبعه إلى منزله لعلي أسرق هذه البقرة. فانطلقا مصطحبينحتى انتهيا مع الناسك إلى منزله ممسيين. فدخل الناسك وربط البقرة في زاوية المنزلثم تعشى ونام. فأشفق اللص إن بدأ الشيطان بأخذ نفس الناسك قبل أن يأخذ البقرة أنيصيح الناسك فيجتمع الناس لصوته فلا يقدر على سرقة البقرة، فقال له: انتظرني حتىأخرج البقرة ثم عليك بالرجل. فأشفق الشيطان إن بدأ اللص أن يستيظ الناسك فيصيحويجتمع الناس إليه فلا يقدر على أخذه، فقال: بل انتظرني حتى آخذ الناسك وشأنكوبالبقرة. فأبى كل واحد على صاحبه، فلم يزالا باختلفافهما حتى نادى اللص الناسك أناستيقظ أيها الناسك فهذا شيطان يريد أخذك. وناداه الشيطان أن استيقظ أيها الناسكفهذا اللص يريدد أخذ بقرتك. فانتبه الناسك وجيرانه بصوتهما فنجا منهما ولم يقدراعلى ما أرادا وهرب الخبيثان خائبين.

فلما فرغ الثالث من كلامه قال الأولالذي كان قد أشار بقتل الغراب: "أراكنّ قد غرّكن هذا الغراب وخدعكن بكلامه وتضرّعه،فأنتن تردن تضييع الرأي والتغرير بجسم الأمر، فمهلاً مهلاً عن هذا الرأي، وانظرنذوي الألباب الذي يعرفون أمورهم وأمور غيرهم، فلا يلقكنّ عن رأيكن فتصبحن كالمعجزةالذين يغترون بما يسمعون أشد تصديقاً منه بما يعلمون، وكالنجار الذي كذّب ما ر أىوعلم وصدّق ما سمع فاغترّ وانخدع".

قال الملك: وكيف كان ذلك؟
مثل النجار المخدوعوحميه

قال الوزير: زعموا أن نجاراً كان له امرأةيحبها، وكان قد بلغه عنها أنه إذا غاب يأتيها أبوها فتفتح له بمفتاح مغشوش خزانةزوجها فيأخذ من صندوقه ما شاء من المال. فأحب أن يتيقّن ذلك فقال لامرأته: إني أريدالذهاب إلى قرية منا على فراسخ لبغض أعمال الإمارة، وأنا ماكث هناك أياماً فأعدي ليزاداً. ففرحت المرأة بذلك وهيّأت له زاداً. فلما أمسى قال لها: استوثقي من باب داركواحتفظي ببيتك حتى أرجع إليك بعد أيام. وخرج وهي تنظر حتى جاوز الباب. ثم عطف وعادإلى البيت من باب آخر ودخل الخزانة فاختفى تحت سرير زوجته. وأرسلت المرأة إلى أبيهاأن ائتنا فقد انطلق النجار في حاجة سيغيب فيها أياماً. فأتاها أبوها فأطعمته وسقتهوفتحت له صندوق زوجها فأخذ ما بدا له، وبقيا في حديثهما إلى منتصف الليل. فغلبالنعاس على النجار فنام وخرجت رجلاه من تحت السرير، فرأتهما امرأته فأيقنت بالشرفسارّت أباها أن ارفع صوتك فسلني: أنا أحب إليك أم زوجك؟ ففعل أبوها كما قالت وردّتعليك: "يا أبت ما يضرّك إلى هذه المسألة؟ ألست تعلم أنا معشر النساء يوم ندخل بيتزوجنا نفضله على كل من سواه حتى الأخ والوالد؟ فلحى الله امرأة لا يكون زوجها عندهاكعدل نفسها، فلا سمعتك تذكره مرة أخرى". فسمع النجار لهذه المقالة من امرأته ورقّلها وأخذته العبرة والرحمة لها ووثق منها بالمودة، فلم يبرح مكانه كراهة أن يؤذيها،ولم يزل هناك حتى أصبح وعلم أن حماه قد خرج فخرج من تحت السرير، فوجد امرأته نائمةفقعد عند رأسها يذبّ عنها حتى إذا انتبهت قال لها: سرني جوابك لأبيك، ولولا كراهةما يسوؤك لكان بيني وبينك صخب وأمر شديد.
وإنما ضربت لك هذا المثل إرادة ألاتكون كذلك النجار والمكذّب بصره المصدّق بما سمع من امرأته. فلا تصدقوا الغراببمقالته واذكروا أن كثيراً من العدو لا لا يستطيع ضرّ عدوه بالمباعدة حتى يلتمسهبالمقاربة والمماسحة. وإني لم أخف الغربان قط خوفهم منذ رأيت هذا الغراب وسمعتمقالتكم فيه.

فلم يلتفت ملك البوم وسائر وزرائه إلى كلامه وأمر ملك البومبالغراب أن يُحمل إلى مكانهن ويوصى به خيراً ويكرم.

فقال الوزير الذي كانيشير بقتله: "إذا لم يقتل هذا الغراب فلتكن منزلته على ذلك منزلة العدو المخوف شره،المحترس منه. فإن الغراب ذو إرب ومكايد ولا أراه لجأ إلى هاهنا إلا لما يصلح لهويفسدنا". فلم يرفع الملك بقوله رأساً ولم يمنعه من إكرام الغراب والإحسان إليه،وجعل الغراب يكلمه إذا دخل عليه بألطف ما يجد ويكلم البوم إذا خلا بهنّ كلاماًيزددن في كل يوم به ثقة، وإليه استرسالاً وبه أنساً وله تصديقاً. ثم إنه قال يوماًوعنده جماعة من البوم فيهن الوزير الذي كان يشير بقتله: "ليبلّغنّ عني بعضكم الملكبأن الغربان وترتني وترةً عظيمة بما فضحتني وعذبتني، وأنه لا يستريح قلبي أبداً حتىأدرك منهم بغيتي، وإني قد نظرت في الأمر فلم أجدني أستطيع ذلك وأنا غراب. وقد بلغنيعن بعض أهل العلم أنهم قالوا: من طابت نفسه عن نفسه فأحرقها بالنار إنما يقرّب إلىالله قرباناً عظيماً ولا يدعو عند ذلك بدعوة إلى استجيبت له. فإن رأى ا لملك أنيأمرني فأحرق لأدعو ربي أن يحولني يومياً لأنتقم من عدوي وأشفي غليلي إذا تحوّلت فيخلق البوم".

قال الوزير الذي كان يشير بقتله: "ما أشبّهك با غراب في حسن ماتبدي وسوء ما تخفي إلا بالخمر الطيبة الريح، الحسنة اللون المنقع فيها السم. أرأيتلو أحرقناك بالنار كان جوهرك وطباعك يحرقان معا؟ أليس تدور حيث ما درت فتصير إلىأصلك وطباعك كالفأرة التي وجدت من الأزواج الشمس والسحاب والريح والجبل، وتركت ذلككله وتزوجت جرذاً".

قيل له: وكيف كان ذلك؟
مثل الناسك والفأرة المحوّلةجارية

قال البوميّ: زعموا أن ناسكاً عابداً كانمستجاب الدعوة. فبينما هو قاعد على شاطئ النهر إذ مرت به حدقة في رجلها درصة. فوقعتمن رجلها عند الناسك فأدركته لها رحمة، فأخذه ولفها في ردنه وأراد أن يذهب بها إلىمنزله، ثم خاف أن يشقّ على أهله تربيته فدعا ربه أن يحولها جارية فأعطيت حسناوجمالا، فانطلق بها الناسك إلى بيته فقال لامرأته: هذه يتيمة فاصنعي بها صنيعكبولدك. ففعلت ذلك حتى إذا بلغت اثنتي عشرة سنة قال لها: يا بنية فقد أدركت ولا بدلك من زوج فاختاري من أحببت من إنسيّ أو جني أقرنك به. قال: أريد زوجاً قوياًشديداً. فقال لعلك تريدين الشمس. فقال للشمس: هذه جارية جميلة هي عندي بمنزلة الولدزوّجتكما لأنها طلبت زوجاً قوياً منيعا.

قالت الشمس: أنا أدلك على من هوأقوى ني: السحاب الذي يغطي نوري ويغلب عليه. فانصرف الناسك إلى السحاب فقال له مثلتلك المقالة، فقال له السحاب: أنا أدلك على من هو أقوى مني وأشد: الريح التي تقبلبي وتدبر. فانصرف الناسك إلى الريح فقال لها مثل مقالته: فقالت الريح: أنا أدلك علىمن هو أقوى مني: الجبل الذي لا أستطيع له تحريكاً. فانصرف الناسك إلى الجبل فقال لهمثل مقالته تلك، فقال الجبل: أنا أدلك على من هو أقوى مني: الجرذ الذي يثقبني فلاأستطيع الامتناع عنه. قال الناسك للجرذ هل أنت متزوج هذه الجارية؟ فقال له: كيفأتزوجها وأنا صغير ومسكين ضيق والجرذ يقترن بالفأرة. فطلبت الجارية إلى الناسك أنيدعو ربه ليحوّلها فأرة، فأجابها إلى ذلك ودعا ربه فتحولت فأرة ورجعت إلى أصلهاالأول فتزوجها الجرذ. فهذا مثلك أيها المخادع.

فلم يلتفت ملك البوم ولا غيرهإلى هذه المقالة، ورفقت البوم بالغراب فلم يردن إلا إكرامه، حتى استأنس بهن ونبتريشه وسمن وصلح، وعلم ما أراد أن يعلم، واطلع على ما أراد أن يطلع عليه الغربان،فطار سراً وعاد إلى أصحابه فأخبرهم بما رأى وسمع، فقال لملك الغربان: أبشرك بفراغيمما أردت الفراغ منه وإنما بقي ما قبلكم فإن أنت جددتم وبالغتم في أمركم فهو الفراغمن ملك البوم وجنده.

فقال ملك الغربان: نحن عند أمرك فمرنا بما بدالك.

قال الغراب: إن البوم بمكان كذا وكذا، وهن يجتمعن بالنهار في مكان كذاوكذا من الجبل، وقد علمت مكاناً فيه الحطب اليابس كثيراً فليحمل كل غراب منكم مااستطاع من ذلك الحطب إلى باب الثقب الذي فيه البوم بالنهار. وقرب ذلك الجبل قطيعغنم، فإني أمضي آخذ منه ناراً فآتي بها باب الثقب فأقذّفها في الحطب المجموع. ثمتعاونوا فلا تفتروا واضربوا بأجنحتكم ضرباً ترويحاً ونفخاً للنار حتى تضرم فيالحطب، فما خرج من البوم احترق بالنار وما بقي مات بالدخان.

ففعلوا ذلكفأهلكوا البوم ثم رجعوا إلى أوطانهم آمنين سالمين. ثم إن ملك الغربان قال لذلالغراب: كيف صبرت على صحبة البوم ولا صبر للأخيار على صحبة الأشرار؟

قالالغراب: إن ذلك كذلك، ولكن العاقل إذا نابه الأمر العظيم المفظع الذي يخاف منهالجائحة الجائفة على نفسه وقومه لم يخرج من شدة الصبر عليه رجاء عاقبته، ولم يجدلذلك مساً ولم تكره العيشة مع من هو دونه حتى يبلغ حاجته وهو حامد لغبّ أمره،مغتبطٌ لما كان من أمر رأيه واصطباره.

قال الملك: أخبرني عن عقولالبوم.

قال الغراب: لم أجد فيهن عاقلاً إلا الوزيرالذي كان يحرص على قتليويحرضهن على ذلك مرارا. فكنّ أضعف شيء رأياً، إذ لم ينظرن في أمري ولم يذكرن أننيكنت ذا منزلة في الغربان أعد من ذوي الرأي. فلم يتخوّفن مني المكر والحيلة. فأخبرهنالحازم الناصح المطّلع على ما في نفسي برأيه، وأشار عليهن بالنصح لهنّ فرددن رأيهفلا هن عقلن ولا من ذي العقل قبلن، ولا حذرنني ولا حصّنّ أسرارهن دوني. وقد قالتالعلماء: ينبغي للملك أن يحصّن دون المتهم أسراره وأموره فلا يدنو من مواضع أسرارهوأموره وكتبه ولا من الماء والحوض الذي يعدّ لغسله ولا من فراشه ودثره ولا من كسوتهولا من مراكبه ولا من سلاحه ولا من طعامه وشرابه ولا من دوائه ولا من ذهبه وطيبهورياحينه، ولا يؤمّن على نفسه إلا الثقة الأمين السالم الباطن والظاهر ويكون بعدذلك كله على حذر منه، لأن عدوه لا يتوصل إليه إلا من جهة ثقاته. وربما كان الثقةصديقاً لعدوه فيصل العدو إلى مراده منه.

قال ملك الغربان: لم يهلك ملك البومعندي إلا بغيه وضعف رأيه وموافقته لوزراء السوء.

قال الغراب: صدقت. فإنه كانيقال: قلّ ما ظفر أحد بغنى ولم يطغ. وقلما حرص الرجل على النساء فلم يفتضح. وقلّ منأكثر من الطعام ولم يسقم. وقلّ من ابتلي بوزراء السوء فلم يقع في المهالك. وكانيقال: لا يطمعنّ ذو الكبر في الثناء الحسن، ولا الخبّ في كثرة الصديق، ولا السيءالأدب في الشرف، ولا الشحيح في البرّ، ولا الحريص في قلة الذنوب، ولا الملك المختالالمتهاون الضعيف الوزراء في ثبات ملكه.

قال ملك الغربان: لقد احتملت مشقةشديدة بتصنعك للبوم وتضرّعك لهن.

قال الغراب: لقد كان ذلك كذلك ولكن صبرتعلى ذلك لما رجوت من حسن منفعته، لأنه يقال: لا يكبر على الرجل حمل عدوّه على عاتقهإذا وثق بحسن عاقبته. وقد قيل: إنه من احتمل مشقة يرجو لها منفعة صبر على ذلك، كماصبر الأسود على حمل الضفدع على ظهره.

قال الملك: وكيف كانذلك؟
مثل الأسود وملكالضفادع

قال الغراب: زعموا أن أسودَ كبر وهرمفلم يستطع صيداً ولم يقدر على طعام فدبّ يلتمس المعيشة لنفسه حتى انتهى إلى غديرماء كثير الضفادع قد كان يأتيه ويصيد من ضفادعه، فوقع قريباً من الغدير شبيهاًبالحزين الكئيب. فقال له ضفدع. ما شأنك أراك كئيباً حزيناً؟ قال: ما لي لا أكونحزيناً إنما كان أكثر معيشتي مما كنت أصيد من الضفادع، فابتليت ببلاء حرّمت عليّالضفادع حتى لو لقيت بعضها على بعض لم أجترئ على أكله. فانطلق الضفدع فبشر ملكه بماسمع من الأسود، فدنا الملك من الأسدو فقال له: كيف كان أمرك هذا؟ فقال الأسود: لاأستطيع أن آخذ من الضفادع شيئاً إلى ما يتصدق به علي الملك. قال: ولم؟ قال: إنيسعيت في أثر ضفدع منذ ليال لأخذها فطردتها إلى بيت مظلم لرجل من النساك فدخلتهودخلت في إثرها. وفي البيت مدّ ابنُ الناسك إصبعه فظننتها الضفدع فلسعتها فماتفخرجت هارباً وتبعني الناسك ودعا عليّ وقال: كما قتلت ابني البريء ظلماً أدعو عليكأن تذلّ وتخزى وتصير مركباً لملك الضفادع وتحرم عليك الضفادع، فلا تستطيع أكلها إلىما تصدق به عليك ملكها. فأقبلت إليك لتركبني مقراّ بذلك راضياً. فرغب ملك الضفادعفي ركوب الأسود، وظن أن ذلك له شرف ورفعة. فركب الأسود أياماً ثم قال له الأسود: قدعلمت أني ملعون محروم لا أقدر على التصيّد. إلا ما تصدقت به عليّ فاجعل لي رزقاًأعيش به. قال الملك: لعمري لا بد لك وأنت لي مركب من رزق تعيش به. فأمر له كل يومبضفدعتين يؤخذان فيدفعان إليه، فعاش بذلك. ولم يضرّه خضوعه للعدو الذليل، بال انتفعبذلك وصار له معيشة ورزقاً.

وكذلك كان صبري على ما صبرت عليه التماس هذاالنفع العظيم الذي جعل لنا فيه بوار العدو والراحة منه.

قال الملك: وجدتضراعة اللين والمكر أشد استئصالاً للعدو من صرعة المكابرة والعناد، فإن النارالخفيفة تقوى بحرّها وحدّتها على أن تحرق ما فوق الأرض من الشجر الكبار. والماءبلينه ونفوذه يقتلعها من أصلها تحت الأرض، وكان يقال: في أربعة لا يستقلّ منهاالقليل: النار والمرض والعدو والدّين.

قال الغراب: ما كان من ذلك فبسعادةجدّ الملك ورأيه فإنه قد كان يقال: إذا طلب اثنان حظاذ ظفر به أفضلهما مروءة. فإناستويا في المروءة فأمضاهما رأيا، فإذا استويا في ذلك فأفضلهما أعواناً، فإن استويافي ذلك فأسعدهما جدا. وقد كان يقال: من غالب الملك الحازم الأريب الذي لا تبطرهالسرّاء ولا تدهشه الضرّاء كان هو الداعي الحتف لنفسه. ثم لا سيما إذا كان مثلكأيها الملك العالم بالأمور وفرص الأعمال ومواضع الشدة واللين والغضب والرضاوالمعالجة والأناة، الناظر في يومه وعواقب أعماله.

قال الملك: بر برأيكوعقلك كان هذا. فإن رأي الرجل الواحد أبلغ في إهلاك العدو من الجنود الكثيرة من ذويالبأس والنجدة والعدد والعدة. وإن من أعجب أمرك عندي طول لبثك عند البوم، وأنت تسمعالغلظ من كلامهم دون أن تسقط عندهم بكلمة.

قال الغراب: لم أزل متمسكاً بأدبكأيها الملك، فأصحب القريب والبعيد بالرفق واللين والمتابعة والموافقة، وأخضع لهم. وقد قيل: إذا كنت بين أعداء تخافهم ولا تقدر على ضرّهم فخذهم باللطف والتؤدةوالخضوع، وإياك والغلظة فإنك لا تصيب بذلك ظفراً. وإنت سمعت منهم غليظ الكلام فغضعنه النظر. وقد قيل إن الرجل الكامل المشاور أهل النبل في الرأي والعقل إن رأى فيبدء أمره وسمع من بشاعة اللفظ ومخالفة الهوى ما يكره وصبر على ذلك فإن ذلك يعقبمنفعة وراحة وسروراً. وإنّ مشاورة من يتبع هوى المستشير ولم ينظر في عاقبة أمره وإننال من العاجل فرحاً وروحاً فإن عاقبة أمره تصير إلى ضرر وخسران.

قال الملك: وجدتك صاحب العمل ووجدت غيرك من الوزراء أصحاب أقاويل ليست لها عاقبة حميدة. فقدمنّ الله علينا بك منّة عظيمة لم نكن نجد قبلها لذة الطعام ولا النوم.

قالالغراب: إنه يقال: لا يجد السقيم لذة النوم ولا الطعام حتى يبرأ. ولا الرجل الشرهالذي قد أطمعه السلطان في مال أو عمل حتى ينجزه له. ولا الرجل الذي قد ألحّ عليهعدوه، فهو يخافه صباحاً ومساءً حتى يستريح منه. وقد كان يقال: من أقلعت عنه الحمّىأراح قلبه. ومن وضع الحمل الثقيل أرح متنه. ومن أمن عدوّه ثلج صدره. فأسأل اللهالذي أهلك عدوّك أن يمتعك بسلطانك وأن يجعل لك بعد ذلك صلاح رعيّتك ويشركهم في قرّةالعين بملكك. فإن الملك إذا لم يكن في مملكته قرّة عيون رعيّته فمثله مثل زنمةالعنز التي يمصّها الجدي فلا يصادف فيها خيراً.

قال الملك: كيف كانت سيرةملك البوم في جنده؟

قال: سيرة بطر وأشر وختل وعجز وضعف رأي. وكل أصحابهووزرائه كان شبيهاً به إلا الذي كان يشير بقتلي. فإنه كان حكيماً أريباً فيلسوفاًحازماً قلّما يرى مثله في علوّ الهمة وكمال العقل وجودة الرأي.

قال: وأيّخلّة رأيت كانت أدلّ لك على عقله؟

قال الغراب: خلّتان، الواحدة رأيه في قتليوالأخرى أنه لم يكن يكتم صاحبه نصيحة وإن استقلّها، ولم يكن كلامه مع هاتين كلامخرق ولا مكابرة، ولكن كلام رف ولين حتى ربما أخبره بعيبه وهو لا يغضبه، وإنما يضربله الأمثال ويحدّثه عن عيب غيره فيعضر به عيب نفسه، ولا يجد للغضب عليهسبيلاً.

وكان مما سمعته يقول للملك أن قال: لا ينبغي للملك أن يغفل عن أمرهفإنه أمر جسيم لا يظفر به إلا القليل، ولا تقابله إلا بالحزم. وهو إذا فات لم يدرك. فينبغي للملك أن يكون متفقداً لأموره ذا حزم فيها. فإن لم يحسن ولايته ورعايته قلّتراحته وهدوّه، كالقرد الذي يُرى لأدنى حركة قلقاً. والملك عزيز عزوف، فمن ظفر بهفليحسن حفظه وتحصينه. فإنه قد قيل: إنه في قلة بقائه مثل قلة بقاء الظل على ورقالنيلوفر، وفي قلة ثباته كاللبيب مع اللئيم، وفي مراقبته كالتنين. وهو في سرعةالإقبال والإدبار كالريح، وفي الثقل كصحبة البغيض، وفيما يخاف من مفاجأة عطبةكالحية، وفي سرعة الذهاب كحباب الماء من وقع المطر. وفي قلة ما يستمع به وينال منهكحاكم يغنى في رقدته، فلما هبّ لم يجد عليه حلمه. فأهلك الله أعداء الملك وأدالمنهم ولا زال في عليا وصنع وتوفيق.

فهذا مثل أهل العداوة الذين ينبغي العاقلأن لا يغترّ بهم وإن هم أظفروا تودداً وضراعةً.
باب الأسد والشعهرالصوّام

قال الملك للفيلسوف: قد فهم مثل أهلالترات وحذر بعضهم بعضاً فاضرب لي إن رأيت مثل الملوك فيما بينهم وبين قرائبهم، وفيمراجعة من تراجع منهم بعد عقوبة أو جفوة تكون عن ذنب يذنبه أو ظلم يظلمه.

قال الفيلسوف: إن الملك إذا لم يراجع من أصابته جفوة أو عقوبة عن جرماجترمه أو ظلم ظلمه أضرّ ذلك بالأمور والأعمال. وكان الملك حقيقاً بالنظر في حال منابتلي بشيء من ذلك ويبلو ما عنده من العناء والذي يرجو منه النفع. فإن كان ممنيستعان به ويوثق برأيه وأمانته كان الملك حقيقاً بالحرص على مراجعته. فإن الملك لايستطاع إلا بالوزراء والأعوان. ولا ينتفع بالوزراء والأعوان إلا بالمودة والنصيحة. ولا تصلح النصيحة والمودة إلا مع إصابة الرأي والعفاف الكثير. ومن يحتاج إليهم منالعمال والأعمال كثير. ومن يجمع منهم الذي ذكرت من النصيحة وإصابة الرأي قليل. وإنما التمسك بالوجه الذي به يستقيم العمل أن يكون الملك عالماً من يريد الاستعانةبه وما عند كل رجل منهم من الغناء والرأي، وما فيه من العيوب. فإذا استقر ذلك عندهمن علمه أو علم من يؤتمن به وعمل ما يستقيم به وجّه لكل عمل من قد عرف أنّ عنده منالأمانة والنجدة والرأي ما يستقل بذلك، وإن الذي فيه من العيب لا يضرّ بذلك العمل. ويتحفّظ من أن يوجه عيوبه وعاقبة ما يكره منه. ثم على الملك بعد ذلك ألا يترك تعاهدعمّاله والتفقد لهم ولأمورهم حتى لا يخفى عليه إحسان محسن ولا إساءة مسيء. ثم عليهمبعد ذلك ألا يتركوا محسناً بغير جزاء ولا يقروا مسيئاً ولا عاجزاً على العجزوالإساءة، فإنهم إن صنعوا ذلك تهاون المحسن وجترأ المسيء ففسد الأمر وضاع العمل. ومثل ذلك مثل الأسد والشعهر وهو ابن آوى.

قال الملك: وكيف كانذلك؟

قال الفيلسوف: زعموا أنه كان بأرض كذا وكذا ابن آوى وكان متألّهاًمتعففاً في بنات آوى وثعالب وذئاب. ولم يكن يصنع ما يصنعن ولا يغير كما يغرن ولايريق دماً ولا يأكل لحماً. فخاصمته تلك السباع وقلن: لا نرضى بسيرتك ولا رأيك الذيأنت عليه من تألهك مع أن تألهك لا يغني شيئاً. وأنت لا تستطيع أن تكون أحدنا فتسعىمعنا وتفعل فعلنا. فما الذي يمسك كفك عن الدماء واللحم؟

قال ابن آوى: إنصحبتي إياكم لا تؤثمني إذا لم أؤثم نفسي لأن الآثام ليست من قبل الأماكن والأصحاب،ولكنها من قبل القلوب والأعمال. ولو كان صاحب المكان الصالح يكون عمله فيه صالحاًوصاحب المكان السوء يكون عمله فيه سيئاً، إذاً كان من قتل الناسك في محرابه لم يأثمومن استحياه في معركة القتال أثم. أترونني إن صحبتكم بنفسي لم يصحبكم مني قلب ولاعمل لأني أعرف ثمرة الأعمال.

فما عاش ابن آوى على حالته تلك وشهر النسكوالنبالة في الرأي حتى بلغ ذلك الأسد، وكان ملك السباع بتلك الناحية. فرغب فيه للذيبلغه عنه من العفاف والصدق والأمانة. فأرسل إليه فكلّمه وفحصه ثم دعاه بعد أيام إلىصحبته، وقال: إن ملكي عظيم وأعمالي كثيرة وأنا إلى الأعوان محتاج، وقد بلغني عنكعقل وعفاف. ثم قدمت عليّ فازددت فيك رغبة، وأنا موليك من عملي جسيماً ورافع منزلتكإلى منزلة الأشراف وجاعل لك مني خاصة.

قال ابن آوى: إن الملوك أحقاء باختيارالاعوان لما يهتمون به من أعمالهم وأمورهم من غير أن يكرهوا على ذلك أحدا، لأنالمكره لا يستطيع المبالغة في العمل. وأنا لعمل السلطان كاره وليست لي به تجربة ولابالسلطان رفق. وأنت ملك السباع عندك من أجناس السباع عدد كثير، وفيهم أهل نبل وقوةوبهم على العمل حرص ولهم به رفق، فإن استعملتهم أغنوا عنك واغتبطوا لأنفسهم بماأصابوا من ذلك.

قال الأسد: دع عنك هذه المقالة، فإني غير معفيك منالعمل.

قال ابن آوى: إنما يستطيع صحبة السلطان رجلان: أحدهما فاجر مصانعينال حاجته ويسلم بمصانعته، والآخر رجل مهين مغفل لا يحسده أحد. فأما من أراد صحبةالسلطان بالصحة والنصيحة والعفاف، ثم لا يخلط ذلك بمصانعة، فقلّ ما يسلم بصحته لأنهيجمع له عدو السلطان وصديقه بالعداوة والحسد. فأما الصديق فينافسه في منزلته ويبغيعليه فيها ويعاديه لها. وأما عدوّ السلطان فيضطغن عليه بنصيحته لسلطانه وإغنائهعنه. فإذا اجتمع عليه هذا الصفان تعرّض للهلاك.

قال الملك: لا يكونن بغيأصحابي عليك وحسدهم إياك وعداوة أعدائي لك مما يعرض في قلبك، فإني كافيك وبالغ بكفي الكرامة والإحسان بهمتك.

قال ابن آوى: إن كان الملك يريد بي الإحسانوالكرامة فليتركني أعيش في هذه البرية آمناً راضياً بعيشتي من الماء والحشيش. وقدعلمت أن صاحب السلطان يصل إليه في ساعة واحدة من الأذى والخوف ما لا يصل إلى غيرهطول عمره. وإن قليل العيش في أمر وطمأنينة خير من كثيره في خوف ونصب.

قالالأسد: قد سمعت مقالتك فلا تخافنّ شيئاص مما أراك تتخوفه. فلا بد من الاستعانةبك.

قال ابن آوى: أما إذا أبى الملك أن يعفيني فليجعل لي عهداً إن بغى عليأحد من أصحابه ممن هو فوقي خوفاً على منزلته، أو ممن هو دوني فنازعني منزلتي وذاكرالملك بلسانه أو لسان غيره مما يريد به تحميل الملك عليّ ألاّ يعجّل عليّ ويتثبّتفيما يرفع إليه من ذلك، ويفحص عنه ثم يقضي الملك فيما بدا له. فإني إذا وثقت بذلكمن الملك أعنته بنفسي وعملت له فيما ولأني بنصيحة واجتهاد وحرصت على أن لا أجعل علىنفسي سبيلاً.

قال الأسد: إن ذلك لك علي. فولاّه خزائنه واختصّه دون أصحابهفي المشاوة والرأي في المنزلة وازداد به على الأيام عجباً وزاده كرامة وعملاً. فثقلذلك على من يطيف بالأسد من قرائبه وأصحابه وعمّاله وعادوه وحسدوه وائتمروا بهليهلكوه. فلما أجمعوا على ذلك لكيدهم دسّوا ذات يوم للحم كان الأسد استطرفهواستطابه فأمر برفعه في موضع طعامه ليعاد عليه فسرقوه ثم أرسلوا به إلى بيت ابن آوىفخبأوه مخبّأ لا يطّلع عليه أحد. فلما كان من الغد ودعا الأسد بغدائه التمس ذلكاللحم فلم يجده وابن آوى غائب والقوم الذي أرادوا المكر به والمكيدة حضور. فألحّالأسد في طلب اللحم حتى غضب. فنظر بعضهم إلى بعض، فقال أحدهم قول المخبر الناصح: إنه لا بد لنا من أن نخبر الملك بعلمنا فيما يضره وينفعه وإن شقّ ذلك عليه. إنهبلغني أن ابن آوى كان ذهب بذلك اللحم إلى منزله.

قال آخر: أراه شبيهاً أنيكون فعل هذا، ولكن انظروا وافحصوا فإن معرفة الخلائق شديدة.

قال آخر: لعمريما تكاد السرائر يطّلع عليها أحد ولعلكم إن فحصتم وجدتم ذلك وثبت عندنا كل شيء كانيذكر لنا من عيوبه وخيانته، ونحن أحقاء أن نخذله ونقضي بكل ما كان يقالعنه.

قال آخر: ما ينبغي لأحد أن يغترّ بما يعلم في نفسه من المختالة. فإنالمختالة لا يسلم صاحبها ولا تخفى له.

قال آخر: وكيف يسلم من خاتل السلطانأو كيف يخفي ذلك، ومخاتلة الأصحاب لا تكاد تخفى؟

قال آخر: لقد أخبرني مخبرٌعن ابن آوى بأمر عظيم مما وقع في نفسي حتى سمعت كلامكم.

قال آخر: لكني لميخف عليّ أمره وخبّه أول ما رأيته وقد قلت مراراً واستشهدت فلاناً أن هذا المخادعالمتخشّع لا يسلم من الحيلة والخيانة.

قال آخر: لئن وجد هذا حقاً ما هيالخيانة فقط بل مع الخيانة كفر النعمة والجرأة على الذنوب.

قال آخر: أنت أهلالعدل والفضل ولا أستطيع أن أكذبكم، ولكن سيتبين صدق هذا وكذبه لو أرسل الملك إلىبيت ابن آوى ففتشه.

قال آخر: إن وجب تفتيش منزله فالعجل العجل. فإن عيونهوجواسيسه مبثوثة بكل مكان.

قال آخر: إني قد علمت بأن ابن آوى لو فتش منزلهواطلع على خيانته سيحتال بحيلته ومكره حتى يشبه على الملك فيعذره ويكفّعنه.

فلم يزالوا بهذا الكلام وأشباهه حتى أوقعوا ذلك في نفس الأسد بالأتهاملابن آوى فدعاه فقال له: ما صنعت باللحم الذي أمرتك بالاحتفاظ به؟

فقال: دفعته إلى صاحب الطعام فلان ليقرّبه إلى الملك.

فدعا الملك صاحب الطعام وكانممن شايع القوم، فسأله الملك عن اللحم فقال: ما دفع إليّ شيئاً.

فأرسل الملكأمناءه ليفتشوا منزل ابن آوى فوجدوا فيه اللحم فأتوه به. فدنا من الأسد ذئب لميتكلم في شيء من تلك الأمور، وكان يظهر أنه من أهل العد ل والذين لم يتكلموا إلافيما استبان لهم أنه حق فقال للأسد: إذا اطلع الملك على خيانة ابن آوى فلا يعفونّعنه، فإنه إن عفا عنه لم يعد أحد يطلع الملك على خيانة خائن أو ذنبمذنب.

فأمر الأسد بابن آوى أن يخرج من عنده ويحتفظ به حتى يرى رأيهفيه.

قال عند ذلك بعض جلساء الأسد: إني لأعجب من رأي الأسد ومعرفته بالأموروكيف خفي عليه أمر هذا فلم يعرف خبثه ومخادعته.

قال آخر: بل أعجب من هذا أنيلا أراه إلا بتنصّل عنه بعد الذي ظهر عليه منه.

ثم إن الأسد أرسل بعضهم إلىابن آوى يسأله عن عذره فرجع إليه من ابن آوى برسالة كاذبة غضب منها الأسد فأمر بابنآوى أن يقتل.

فبلغ ذلك أم الأسد فعرفت أن الأسد قد عجّل في أمره فأرسلت إلىالذين أمروا بقتله أن يؤخروه ودخلت على ابنها فقالت: لأي ذنب أمرت بابن آوى أنيقتل؟

فأخبرها الأسد بالأمر.

قالت: "عجّلت يا بني وإنما يسلم العاقلمن الندامة بترك العجلة وبالأخذ بالأناة. وليس أحد أحوج إلى التؤدة والتثبيت منالملوك. فإن المرأة بزوجها والولد بالوالدين والمتعلم بالمعلم والجند بالقائدوالناسك بالدين والعامة بالملوك والملوك بالتقوى والتقوى بالعقل والعقل بالتثبيت. ورأس الحزم للملك معرف أصحابه وإنزاله إياهم منزلتهم واتهام ببعضهم ببعض. فإنه إنوجد بعضهم إلى هلاك صاحبه سبيلاً وإلى تهجين بلاء المبلين وإحسان المحسنين والتغطيةعلى إساءة المسيئين لم يدعوا ذلك ويؤثر ذلك سريعاً في ضياع الأمر وانتشاره وجلبعظيم الضرر والعيب.

"
وقد كنت بلوت ابن آوى واختبرت أدبه ومروءته قبلاستعانتك به وتفويضك إليه، فلم تزل عنه راضياً ولا تزداد على مر الأيام إلااستصلاحاً وإليه استرسالاً وفيه رغبة. فأمرت بقتله في طابق من لحم فقدته. عسىأصحابه أن يكونوا قد ألزموه عندك ذنباً باطلاً لحسدهم وتعاونهم عليه.

"
فاعلمأن الملوك إذا وكلوا إلى غيرهم ما ينبغي مباشرته من أمورهم والزموا أنفسهم مباشرةما ينبغي لهم تفويضه إلى الكفاة ضاعت أمورهم ودعوا الفساد إلى أنفسهم. إن الملوكيحتاجون إلى النظر في وجوه شتى من الأمور، فإذا آثروا بعض تلك الوجوه على بعض لميأمنوا خطأ البصر وزلل الرأي، كصاحب الخمر الذي إذا أراد أن يشتريها احتاج إلىاختيار لونها وريحها. فإن هو أهمل الاختيار أو بعض ذلك لم يأمن الغبن والخسران. وكاليراعة يراها الجاهل في ظلمة فيقضي عليها بالمعاينة قبل أن يلمسها أنها نار،فإذا لمسها تبين له خطأ قضائه. وكنت حقيقاً أن تنظر في أمر ابن آوى نظر تثبيت فتعلمأنه لم يكن يأكل اللحم الذي كنت ربما أمرت له بالكثير منه بل يجلعه في طعامك وطعامجندك، وأنه ليس خليقاً لسرقة قليل من اللحم أمرته بالاحتفاظ به. فافحص عن أمره فإنهلم تزل عادة الأرذال والأنذال حسد أهل المودة والفضل والأذى لهم والاشتغال بهم. ولابن آوى مروءة وفضل فعسى أعداؤه من أصحابك أن يكونوا ائتمروا لوضع ذلك اللحم إذاأصابت البضعة من اللحم نافسها كثير من الطير. والكلب إذا أصاب العظم وأخذه في فيهاجتمعت عليه عدة من الكلاب. فإذا لم تنظر إلى أعداء ابن آوى من أصحابك فانظر لنفسكولا تنقادنّ لهم فيما تدعو به الضرر إلى نفسك. فإن أعظم الأشياء على الناس عامةوالولاة خاصة أمران: أن يحرموا صالح الأعوان والوزراء والأخوان، وأن يكون وزراؤهموأخوانهم غير ذوي مروءة ولا غناء. ولم يزل غناء ابن آوى عنك عظيما يؤثر منفعتك علىهواه ويشتري راحتك بمصلحته ورضاك بسخط الأصحاب ولا يكتمك سراً ولا يطوي عنك أمراًولا يرى شيئاً إلا احتمله منك أو بذله وإن عظم عظماً كبيراً. فمن كان من الأصحابهذه صفته فإنما منزلته منزلة الآباء والأبناء والإخوان".

فبينما أم الأسد فيكلامها إذ دخل على الملك بعض ثقاته فأطلع الأسد على براءة ابن آوى. فلما علمت أمالأسد أن الأسد قد وقف على براءة ابن آوى قالت: "أما وقد اطلعت على جرأة أصحابكوتعاونهم عليه فلا ترضينّ بذلك منهم ولا تدعنّ تشتيت ذات بينهم حتى تقطع منك الشفةعليهم. فلا يتخذوك مركباً فتعوّدهم الاحتمال على ضرك بوشهيم. ولا تغترّنّ بسلطانكفيدعوك ذلك إلى استصغارهم والتهاون بأمرهم. فإن الحشيش الضعيف إذا جمع فقتل صار منهالحبل القوي الذي يوثق به الفيل الشديد.

"
وأعد لابن آوى منزلته وخاصته ولايؤيسنّك من مناصته ما فرط إليه منك من الإساءة. فإنه ليس كل من أساء ينبغي له أنيتخوف غشّ من أسيء إليه وعداوته وييأس من نصيحته ومودته. ولكن ينبغي أن ينزل الناسفي ذلك منازلهم على اختلاف ما بينهم. فإن منهم من إذا ظفر بقطيعته كان الرأي أنتقطع صلته ويمتنع عن معاودته، ومنه من لا ينبغي تركه وقطيعته على حال من الأحوال. ومن عرف بالشرارة ولؤم العهد وقلة الوفاء والشكر والبعد من الورع وقلة الاحتمالللأصحاب والإخوان وإن لم يكن عليه منهم مؤونة، فهذا حقيق أن تغتنم قطيعته ويمنع منوصله. ومن لم يكن فيه شيء من هذه الخلال وبذل الإخوانم معروفة واحتملمكروهاً إنكان منهم ومؤونتهم وإن ثقلت، وعرف فضله على غيره في الورع والمساعدة على الدهر فيجميع الأمور والحالات، فهذا حقيق أن يغتنم وصله ويمتنع من قطيعته".

فدعاالأسد بابن آوى واعتذر إليه مما كان منه وأخبره أنه معيده إلى منزلته وولايته. فقالابن آوى: "إن شرّ الأخلاء من التمس منفعة نفسه بضر أخيه ومن كان غير ناظر له كنظرهلنفسه أو كان يريد أن يرضيه بغير الحق واتباع هواه. وكثيراً ما يقع ذلك بين الأخلاءوقد كان من الملك إليّ ما علم فلا يغلظنّ على نفسه ما أخبره به أني به غير واثق. فإن من كان قد أصيب بعظيم من البلاء غير مستوجب له أو كان قد أزيل عن مرتبتهوولايته أو كان قد سلب ماله ظلماً أو كان مقرّباً فأقصي من غير علة أو كان قد استحقمن نظرائه ثواباً فأثيبوا دونه وفضّلوا عليه، أو كان معروفاً بإفراط الحرص والشرهأو كان يرى في منفعة السلطان ضراً أو في ضره له نفعا، كل هؤلاء يحق على السلطان ألايسترسل إليه ويثق بهم، لأن كل هؤلاء حقيق أن يكونوا عليه مع عدوه. وقد صرت اليوم فيبادئ الرأي عرضاً لأعداء الملك وليس ما أنا عليه للملك من المودة والنصيحة بمناعالملك اتهامي وسوء الظن بي. وليس ما ظهر له من مودتي ونصيحتي يؤمّنني من عودةأعدائي بحمل الملك عليّ بالباطل والكذب إشفاقاً من مكافأتي لهم وحرصاً عليّ ألايتقرر عند الملك كذبهم فيما حملوا به علي. فإن فعلوا ذلك لم يحتاجوا في قبول الملكذلك منهم إلى عون أقوى من هذه التهمة التي قد وقعت في نفس الملك من تخوّفه لصحبتيوسوء ظنه بي وسرعته إلى تصديق أعدائي فيما نسبوه إلي. فإذا كان حال الملك بالثقة بيوحالي في الثقة به على ما وصف فلينظر أي وجه يريدني عليه من صحبته. فإن الملوك لاينبغي لهم أن يصحبوا من عاقبوه أشدّ العقاب".

قال الأسد: إني قد بلوت طبائعكوأخلاقك، فمنزلتك في نفسي منزلة الكرماء الأخيار. والكريم تنسيه الخلة الواحدة منالإحسان ألف خلّة من الإساءة، واللئيم تنسيه خلة واحدة من الإساءة ألف خلة منالإحسان. فأنا واثق بك أنه سينسيك ما سلف من إحساننا إليك الذي فرط منا في أمرك وقدعدنا إلى الثقة بك فعد إلى الثقة بنا وبما قبلنا فإنه لك في ذل غبطةوسرور.

فعاد ابن آوى إلى ولاية ما كان يليه من أمر الأسد فلم تزل الأيامتزيده ارتفاعاً واغتباطاً حتى هلك.

فهذا باب وزراء السلطان وأعوانهوقرائبه.
باب السائح والصائغ والقردوالببر والحية

قال الملك للفيلسوف: قد سمعت ماذكرت من أمر الملوك فيما بينهم وبين قرابتهم وفي مراجعتهم من تراجع منهم فأخبرني عنالملك إلى من ينبغي له أن يصنع المعروف ومن يحق له أن يثق به ويرجوعونه.

قال الفيلسوف: إن الملك وغيره جدر أن يؤدوا الخير إلى أهله وأنيؤمّلوا من كان عنده شكر وحمد ولا ينظروا إلى قرابتهم وأهل خاصتهم ولا إلى أشرافالناس وأغنيائهم وذوي القوة منهم، ولا يمتنعوا أن يصطنعوا إلى أهل الضعف والجهدوالضعة. وإن الرأي في ذلك أن يجربوا ويختبروا أصاغر الناس وعظماءهم في شكرهم أو قلةشكرهم وفي حفظهم الود أو غدرهم. ثم يكون عملهم في ذلك على قدر الذي يرون أو يبدولهم. فإن الطبيب الرفيق لا يداوي المرضى بالمعاينة لهم فقط ولكنه ينظر إلى فضولالبدن ويجسّ العرق ثم يكون العلاج على نحو المعرفة وقدرها. ويحق على المرء اللبيتإن وجد قوماً ذوي مهابة لهم وفاء وشكر من البهائم ما كان مألوفاً أنيساً أن يحسنفيما بينه وبينهم، ولعله يحتاج إليهم يوماً من الدهر فيكافئوه. فإن العاقل ربما حذرالناس ولم يأمن على نفسه أحدا منهم، وربما أخذ ابن عرس فأدخله كنّه والطير فوضعهعلى يده. وقد قيل: لا ينبغي لذي العقل أن يحتقر كبيراً ولا صغيرا من الناس ولا منالبهائم، ولكنه جدير بأن يتولاهم ويكون ما يصنع إليهم على قدر الذي يرى منهم. وقدمضى في ذلك مثل ضربه بعض الحكماء.

قال الملك: وكيف كان ذلك؟

قالالفيلسوف: ذكروا أن ناساً انطلقوا إلى مغارة فحفروا فيها ركيّة للسباع فوقع فيهارجل صائغ وببر وحي وقرد، فلم تتعرض البهائم لذلك الرجل بشيء. فمر رجل سائح بالبئرفاطلع فيها فلما رآهم فكّر في نفسه وقال: ما أراني مقدماً عملاً لآخرتي أفضل من أنأخلص الإنسان من بين هؤلاء الأعداء. فأخذ رسناً فأدلاه إليه فتعلق به القرد لخفتهفأصعده. ثم أعاده الثانية فتشبث به الببر فأخرجه. ثم كرّه الثالثة فالتوت به الحيةفاستنقذها. فشكرن له صنيعه وقلن: لا تخرج هذا الرجل فتخلصه من الركية فإنه ليس حيّأقل شكراً من الإنسان. ثم قال له القرد: إن وطني بجانب مدينة يقال لها برجوان. وقالالببر أيضا: أنا في أجمة إلى جانبها. وقالت الحية: وأنا أيضاً في سورها فإن أتيتهايوماً من الدهر أو ممرت بنا فاحتجت إلينا فنوّه بنا حتى نأتيك ونجازيك بما أوليتناوأحسنت إلينا.

ثم إن السائح أدلى الحبل إلى الرجل الصوّاغ ولم يلتفت إلى ماذكر له القرد والببر والحية من قلة شكره، فاستخرجه فأثنى عليه وسجد له وقال: إنكأوليتني معروفاً جسيماً أنا حقيق بفعله، فإن قضي لك أن تأتي مدينة برجوان فسل عنيبها لعلي أجازيك ببعض ما كان من الجميل علي.

ومضى كل واحد منهم لوجهه. فمكثالسائح حينا، ثم عرضت له حاجة نحو المدينة فسار إليها فلقيه القرد فسجد له ثم قبّليده ورجله واعتذر إليه وقال: إني لا أملك شيئاً ولكن اطمئن ساعة حتى آتيك ببعض مانصيب منه. ثم انطلق فلم يلبث أن جاء بفاكهة طيبة فوضعها قدامه وحياه.
ثم توجهالسائح نحو المدينة فلقي الببر فسجد له وحياه وقال: لقد أوليتني معروفاً جسيماًكبيراً فلا تبرح حتى أرجع. فلم يستبطئه حتى ذهب إلى ابنة الملك فقتلها وأخذ حليهاثم أتاه فدفعه له من غير أن يعلمه من أين هو.

فقال السائح في نفسه: هذهالبهائم قد أولتني هذا وصنعته بي فكيفلو انتهيت إلى الصواغ فإنه إن كان معسراً لاشيء عند سيبيع لي هذا الحلي بثمنه فيعطيني بعضه ويأخذ بعضه.

ثم إن السائحدخل المدينة فأتى منزل الصائغ فرحّب به وأدخله بيته، فلما أبصر بالحلي معه عرفهفقال: اطمئن حتى آتيك بطعام تأكله فإني لست أرضى لك بما في البيت.

فانطلقالصواغ حتى أتى باب الملك فأرسل إلى الملك برسالة "أن الرجل الذي قتل ابنتك وأخذحليها قد أخذته وهو عندي محبوس".

فأرسل الملك إلى السائح فأخذه. فلما رأىالحلي معه أمر به أن يعذّب ويطاف به في المدينة ثم يصلب. فلما وقع ذلك به وطيفبالمدينة جعل يبكي ويقول بأعلى صوته: لو أني أطلعت القرد والحية والببر فيما أمرونيبه لم يصيبني هذا البلاء.

فسمعت الحية هذه المقالة وخرجت للحال من جحرها. فلما أبصرته اشتد عليها أمره وفكرت في الاحتيال لخلاصه فانطلقت إلى ابن الملكفلدغته في رجله. فبلغ ذلك الملك فدعا أهل العلم ليرقوه فرقوه فم يغنوا عنه شيئاً. ثم إنهم نظروا في النجوم واحتالوا له حتى تكلم الغلام فقال: لا أبرأ حتى يأتيني هذاالسائح فيرقيني ويمسحين بيده. وقد أمر الملك بقتله ظلماً وعدواناً.

وقد كانتالحية ذهبت إلى أخت لها من الجن فأخبرتها بحالها وبما صنع إليها ذلك السائح منالمعروف. فرقّت له الجنة وانطلقت إلى ابن الملك فتحيّلت حتى وصلت إليه فقالت له: إعلم أنك لا تبرأ حتى يرقيك هذا السائح المظلوم.

وانطلقت الحية إلى السائحفأخبرته بذلك وقالت: ألم أنهك عن الإنسان فلم تطعني. وأعطته شجرة تنفع من سمهاوقالت له: إذا صرت إلى الملك فارق الغلام واسقه من ماء هذه الشجرة فإنه يبرأ، ثمأصدق الملك الحديث فإنك تنجو إن شاء الله.

وإن الملك لما دعا الرقاة ولمينتفع بشيء قال له ابنه: "إن شفائي عند هذا الناسك الذي قد أخذته وأمرت بعذابه". فأمر الملك أن يكف عن عقوبته وأن يؤتى به. فلما أوتي به أمره أن يرقي ابنه فقال: لست أحسن الرقيّ ولكني أدعو له بدعوة أرجو أن يكون فيها شفاؤه. فقال: إنما دعوتكلتخبرني بحاجتك. فقصّ السائح على الملك أمره والذي كان من صنيعه إلى الصواغ والببروالحية والقرد والذي قلن له في أمره، والذي حمله على أن يأتي مينته ثم قال: "اللهمإن كنت تعلم أني صادق فيما ذكرت فعجل لابن الملك الخلاص مما هو فيه والشفاءوالعافية". ثم سقاه من ماء الشجرة فبرئ الغلام مما كان به وكشف الله عنه. فأكرمالملك السائح ووصله وأحسن إليه وأمر بالصائغ أن يصلب فصلب.

ثم قال الفيلسوفللملك: ففي صنيع الصواغ بالسائح وكفره له بعد استنقاذه إياه وشكر البهائم له وتخليصبعضها إياه عبرة للمعتبرين وفكرة لمن فكروا في وضع المعروف والإحسان عند أهل الوفاءوالكرم، قربوا أو بعدوا، لما في ذلك صواب الرأي وجلب الخير وصرف المكروه. فهذهعاقبة المعروف.
باب الناسكوالضيف

قال الملك للفيلسوف: قد سمعت ما ذكرت منامرئ كف عن ضر غيره لضر يصيبه أو بلية تدخل عليه، فأخبرني إن رأيت عن من يدع عملهالذي يليق به ويشاكله ويطلب سواه فلا يدركه فراجع الذي كان في يده فلا يقدر عليهفيبقى حيران متردداً.

قال الفيلسوف: زعموا أنه كان في أرض الكرخ ناسك مجتهدفنزل به ضيف ذات يوم فدعا بتمر ليطرفه به فأكلا منه جميعاً. ثم إن الضيف قال: ماأحلى هذا الثمر وأطيبه وليس في بلادي التي أسكنها نخل وبودي أن آخذ منه فأغرسه فيأرضنا. قال الناسك: ليس لك في ذلك كبير منفعة، ولعل النخل لا يوافق أرضكم. وبلادكمكثيرة الأثمار مع وخامة التمر وقلة موافقته للجسد. ثم قال له الناسك: إنه لا يعدسعيداً من احتاج إلى ما لا يجد وليس بمعذور عليه فتشره لذلك نفسه ويقل عنه صبرهويصل إليه من ثقل ذلك واغتنامه ما يضرّه ويدله على المشقة عليه. وإنك أنت لعظيمالجد وجزيل الحظ لو قنعت بما رزقت وزهدت فيما لا تظفر به ولا تدرك طلبتك منه. فقالالضيف: وفقت ورشدت وقد سمعت منك كلاماً غريباً أعجبني واستحسنته. فلو علمتنيه فإنلي فيه رغبة وفي علمه حرصاً. فقال الناسك: ما أخلقك أن تقع بما تركت من كلامكوتكلفت من كلام العربانية في مثل ما أصاب الغراب.

قال الضيف: وكيف كانذلك؟

قال الناسك: زعموا أن غراباً رأى مرة حجلة تمشي فأعجبته مشيتها وطمع فيتعلّمها وراض نفسه عليها فلم يقدر على إحكامها. فانصرف إلى مشيته التي كان عليهافإذا هو قد نسيها فصار حيران مترددا لم يردك ما طلب ولم يحسن لما كان في يديه فصارأقبح الطير مشياً.

وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أنك خليق إذ تركت لسانكالذي طبعت عليه وتكلفت عليه وتكلفت علم ما لا يشاكلك من كلام العبرانية ألا تدركهوتنسى الذي كان في يديك من غيره. فإنه قد قيل: "يعد جاهلاً من حاول من الأمور ما لايشبهه وليس من أهله ولم يدركه آباؤه ولا أجداده من قبله ولم يعرفوا بهقبلاً".

قال الفيلسوف للملك: إن الولاة في قلة تعاهدهم الرعية في هذاوأشباهه اليوم أسوأ تدبيراً لانتقال الناس من بعض المنازل إلى بعض وتركهم منها ماقد لزموه وجرت لهم المعايش فيه من قبل الملوك، والتماس أهل الطبقة السفلى مراتبالطبقة العليا وانتشار الأمور وفساد الأدب ومنازعة اللئيم للكريم. ثم الأشياء تجريعلى مثال ذلك حتى تنتهي إلى الخطر العظيم الجسيم من مزاحمة الملك في ملكه ومضادّتهفيه.
يتبع

اضغطي على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي



||اَخر مواضيع ~ ام اينانا :

0 اصول بعض العشآئر العراقية ..دمج موضوعين ام اينانا + Miss Perfume
0 الافندي .. الافندي .. عيوني الافندي ..)
0 جنين يخرج يده من بطن امـــه !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
0 قصة واقعية اعجبتني...
0 الفرق بين امتحــــان الله

  رد مع اقتباس
قديم منذ /31-01-2009   #6
 

ام اينانا

 

 

الصورة الرمزية ام اينانا

 
الملف الشخصي








تم شكرها 7 مرة في 6 مشاركة
الحالة
ام اينانا غير متواجده حالياً


ام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond reputeام اينانا has a reputation beyond repute

اوسمة العضوه

الوسام الفضي   مجموع الاوسمة: 1
افتراضي

باب الأسدوالثور

قال دبشليم ملك الهند لبيدبا رأسالفلاسفة: اضرب لي مثل الرجلين المتحابين يقطع بينهما الكذوب الخائن ويحملهما علىالعداوة.

قال بيدبا: إذا ابتليَ الرجلان المتحابان بأن يدخل بينهما الكذوبالخائن تقاطعا وتدابرا.
مثل التاجروبنيه

كان في أرض دستبا تاجر مكثرٌ وكان لهبنون. فلما أدركوا أسرعوا في إتلاف مال أبيهم ولم يحترفوا حرفة يصيبون بها مالاً. فلامهم أبوهم ووعظهم فكان من عظته لهم أن قال: يابنيِّ، إن صاحب الدنيا يطلب ثلاثةأمور لن يدركها إلا بأربعة أشياء. أما الثلاثة التي تطلب فالسعة في المعيشةوالمنزلة عند الناس والبلغة إلى الآخرة. وأما الأربعة التي لا تصاب الثلاثة إلا بهافاكتساب المال من معروف وجهه، ثم حسن القيام على ما اكتسب منه والتثمير له بعداكتسابه، ثم إنفاقه فيما يصلح به المرء معيشته ويرضي به الأهل والإخوان، ويعود عليهفي الآخرة نفعه, ثم التوقي لجميع الآفات جهده. فمن أضاع شيئاً من هذه الخلال الأربعلم يدرك ما أراده، لأنه إن لم يكن ذا مال وذا اكتساب، ثم لم يصلح ماله ولم يحسنالقيام عليه أوشك أن ينفذ ويبقى بلا مال. وإن هو أنفقه ولم يثمّر لم تمنعه قلةالإنفاق من سرعة النفاد كالكحل الذي إنما يؤخذ منه على الميل مثل الغبار، ثم هو معذلك سريع النفاذ. وإن هو اكتسبه وأصلحه وثمّره ثم أمسك عن إنفاقه في وجوهه ومنافعهكان ممن يعد فقيراً لا مال له، ثم لم يمنع ذلك أن يفارقه ويذهب حيث لا يريدبالمقادير والعلل، كمحبس الماء الذي لا يزال ينصبّ إليه ولم يكن له مغيض ومخرج يخرجمنه بقدر ما يفضل عنه انبثق بثقاً لا يصلح، فذهب الماء ضياعاً وفساداً.

ثمإن بني التاجر اتعظوا وأخذوا بأمر أبيهم فانطلق كبيرهم في تجارة متوجهاً إلى أرضيقال لها متور. فمر على طريقه ذلك بمكان فيه وحل شديد ومعه عجله يجرها ثوران يقاللأحدهما شتربة وللأخر بندبة. فوحل شتربة في ذلك الوحل فعالجه الرجل وأعوانه فلميقدروا على إخراجه، فذهب التاجر وخلّف عنده رجلا وأمره أن يقوم عليه أياماً حتى إذانشف الوحل أخرجه وأتبعه به.

فلما أن كان الغد من ذلك اليوم ضجر الرجل بمكانهفلحق بالتاجر وترك الثور وأخبره أنه قد مات، وقال له إن الإنسان إذا انقضت مدتهوحانت منيته فهو وإن اجتهد في التوقي من الأمور التي يخاف فيها على نفسه الهلاك لميغنِ ذلك عنه شيئاً وربما عاد اجتهاده في توقيه وحذره وبالاً عليه.
مثل الرجل الهارب منالموت

كالذي قيل إن رجلاً سلك مفازة فيها خوف منالسباع وكان الرجل خبيراً بوعث تلك الأرج وخوفها. فلما سار غير بعيد اعترض له ذئبمن أحد الذئاب وأضراها. فلما رأى الرجل أن الذئب قاصد نحوه اشتد وجعله ونظر يميناًوشمالاً ليجد موضعاً يتحرّز فيه من الذئب فعاين قرية على شاطئ نهر خلف وادفقصدها.

فلما انتهى إلى النهر لم يجد عليه قنطرة ليقطعه والذئب كان يدركهفقال: كيف أمتنع من الذئب والنهر عميق وأنا لا أحسن السباحة على أني ألقي نفسي فيالماء. فلما نزل في النهر كاد يغرق فرآه قوم من أهل القرية فأرسلوا إليه من استخرجهوقد أشرف على الهلكة فنجا من الذئب ومن الغرق. ثم رأى على شاطئ الوادي بيتاًمنفرداً فقال أدخل هذا البيت فأستريح فيه. فلما دخله وجد جماعة من اللصوص قد قطعواالطريق على رجل من التجار وهم يقتسمون ماله ويريدون قتله. فخاف الرجل على نفسه ومضىنحو القرية فأسند ظهره إلى حائط من حيطانها ليستريح مما حل به من الهول والإعياء،فسقط الحائط عليه فقتله. قال التاجر: صدقت وقد بلغني هذا الحديث.

ثم إنالثور المدعو شتربة انبعث من مكانه فلم يزل يدب حتى انتهى إلى مرج مخصب كثير الماءوالكلإ فأقام فيه، فلم يلبث أن سمن وأمن فجعل يزأر ويخور ويرفع صوتهبالخوار.

وكان قربه أسد هو ملك تلك الناحية، ومعه سباع كثيرة من الذئابوبنات آوى والثعالب وسائر السباع. وكان الأسد مزهواً منفرداً برأيه، ورأيه غيركامل. فلما سمع الأسد خوار الثور، ولم يكن رأى ثوراً قط ولا سمع خواره، رعب وكره أنيفطن لذلك جنده فأقام بمكانه ذلك لا يبرح وجهاً. وكان ممن معه ابنا آوى يقاللأحدهما كليلة وللآخر دمنة، وكلاهما ذو أدب ودهاء. وكان دمنة شرّهما نفساً وأشدّهماتطلعاً إلى الأشياء، ولم يكن الأسد عرفهما. فقال دمنة لكليلة. ما ترى يا أخي شأنهذا الأسد مقيماً بمكان واحد لا يبرح ولا ينشط فيأتيه جنده كل يوم بطعامه؟ فقالكليلة: ما لك والمسألة عما ليس من شأنك؟ أما حالنا نحن فحال صدق ونحن بباب ملك واحدواجدين ما نأكل ولسنا من أهل الطبقة التي يتناول أهلها كلام الملوك وينظرون فيأمورهم. فاسكت عن هذا واعلم أنه من تكلف من القول والفعل ما ليس من شأنه أصابه ماأصاب القرد.

قال دمنة: وكيف كان ذلك؟
مثل القردوالنجار

زعموا أن قرداً رأى نجاراً يشق خشبةبوتدين له راكباً عليها كالأسوار على الفرس، وأنه كلما أوتد وتداً نزع وتداً فقدمه. ثم إن النجار قام لبعض أموره فانطلق القرد يتكلف ما ليس من صنعته ولا من شأنه، فركبالخشبة وجعل ظهره قبل الوتد فتدلى ذنبه في ذلك الشق وعالج الوتد لينزعه. فلما انتزعانضمت الخشبة على ذنبه فخرّ مغشياً عليه. فلم يزل على تلك الحالة حتى جاء النجارفكان ما لقي القرد من صاحبه من الضرب والعذاب أشد من ذلك.

قال دمنة: قدسمعت مثلك وفهمته ولكن اعلم أنه ليس كل من دنا من الملوك إنما يدنو منهم لبطنه،إنما البطن يحشى بكل مكان، ولكن ليلتمس الرفعة والمنزل الذي يسر الصديق ويسوءالعدو. وإن أدنى الناس وضعفاءهم القليلة مروءتهم هم الذين يرضون بالدون ويفرحون به،كالكلب الذي يصيب عظماً يابساً فيفرح به. فأما أهل المروءة والوفاء فلا يغنيهمالقليل ولا يرضون بالدون حتى يسموا إلى ما هم له أهل، كالأسد الذي يفترس الأرنب. فإذا رأى الإتان ترك الأرنب وطلب الأتان. ألا ترى أن الكلب يبصبص بذنبه كثيراً حتىتلقى له الكسرة. أما الفيل المعترف بفضله وقوته إذا قدّم إليه علفه لم يأكله حتىيمسح ويملّق. فمن عاش غير خامل المنزلة ذا فضل على نفسه وأصحابه فهو، وإن قل عمره،طويل العمر. ومن عاش في وحدة وضيق وقلة خير على نفسه وأصحابه فهو، وغن طال عمره،قصير العمر. وقد كان يقال: البائس من طال عمره في ضر. ويقال: ليعدّ من البقر والغنممن لم يكن له همّ إلا بطنه.

قال كليلة: قد عرفت مقالتك فراجع عقلك واعلم أنلكل إنسان منزلة وقدراً. فإذا كان في منزلته متماسك الحال في أهل طبقته كان حقيقاًأن يقنع ويرضى. وليست لنا من المنزلة ما نحط به حالنا التي نحن عليها.

قالدمنة: إن المنازل مشتركة، فذو المروءة ترفعه مروءته من المنزلة الوضيعة إلىالمننزلة الرفيعة، والذي لا مروءة له هو يحط نفسه من المنزلة الرفيعة إلى المنزلةالوضيعة. والارتفاع من صغر المنازل إلى أشرفها شديد. ومؤونة الانحطاط من الشرف إلىالضعة سهل. وإنما مثل ذلك مثل الحجر الثقيل الذي رفعه من الأرض إلى العاتق عسيروطرحه من العاتق إلى الأرض يسير. فنحن أخوان نروم ما فوقنا من المنازل طاقتناونلتمس ذلك بمروءتنا، ولا نقيم على مرتبتنا هذه ونحن نستطيع ذلك.

قال كليلة: فما الذي أنت فيه الآن مجمع؟

قال دمنة: أريد أن أتعرّض للأسد عند هذهالوهلة. فإن الأسد ضعيف الرأي، وقد التبس عليه وعلى جنوده أمرهم. ولعلي على هذاالحال أدنو من الأسد بنصيحة فأصيب عنده منزلة وجاهاً.

قال كليلة: فما الذيأنت فيه الآن مجمع؟

قال دمنة: أريد أن أتعرّض للأسد عند هذه الوهلة. فإنالأسد ضعيف الرأي، وقد التبس عليه وعلى جنوده أمرهم. ولعلي على هذا الحال أدنو منالأسد بنصيحة فأصيب عنده منزلة وجاها.

قال كليلة: وما يدريك أن الأسد قدالتبس عليه أمره؟

قال دمنة: أعرف ذلك بالرأي والحرص، فإن ذا الرأي ربما عرفباطن أمر صاحبه بما يظهر منه، حتى ربما عرف ذلك في هيئته وشكله.

قال كليلة: كيف ترجو المكانة عند الأسد ولست صاحب سلطان ولا لك علم بخدمة السلاطين ومعاشرتهموآدابهم.

قال دمنة: إن الرجل القوي الشديد البطش لا يعيبه الحمل الثقيل،والضعيف لا تغني عنه الحيلة شيئاً ولا تضر العاقل الغربة، ولا يمتنع من المتواضعاللين الجانب أحد.

قال كليلة: فإن السلطان لا يتوخى بكرامته أفضل من بحضرتهولكنه يؤثر بذلك من دنا منه. ويقال إن مثل السلطان في ذلك مثل الكرم الذي لا يتعلقبأكرم الشجر، إنما يتعلق بمن دنا منه. فكيف ترجو المنزلة من الأسد ولست تدنومنه؟

قال دمنة: لقد فهمت ما ذكرت وأنت صادق. ولكني أعلم أن الذين هم أقربإلى السلطان منا قد كانوا وليست لهم منازلهم. ثم دنوا منه بعد البعد فبلغواالمنازل. فأنا ملتمس بلوغ منازلهم ومكانهم جهدي بالدنو منه. وقد كان يقال إنه لايواظب على باب السلطان أحد فيلقي عنه الأنفة ويحتمل الأذى ويكظم الغيظ ويرفق بالناسإلا وصل إلى أعلى درجة من السلطان.

قال كليلة: قد فهمت: فهبك قد وصلت إلىالأسد، فما توفيقك الذي ترجو أن تنال به المنزلة عنده والحظوة لديه؟

قالدمنة: لو قد دنوت منه عرفت أخلاقه ثم انحططت في هواه ورفقت بمتابعته وقلة الخلافعليه. فإذا أراد أمراً هو في نفسي صواب زينته له وبصّرته ما فيه وشجعته له حتىيزداد به سروراً. وإذا أراد أمراً أخاف عليه ضرره وشَيْنَه بصّرته ما فيه من الضرروالشين، وما في تركه من النفع والزين، ودخلت عليه بالرفق واللين. فأنا أرجو أنيزداد لي الأسد بذلك خيراً وأن يرى في ذلك مني ما لم ير من غيري. فإن الرجل الأديبالرفيق لو شاء أن يبطل حقاً ويحق باطلاً أحياناً لفعل، كالمصور الماهر الذي يصور فيالجدار تصاوير فترى كأنها خارجة من الجدار وليست بخارجه، وأخرى تراها كأنها داخلةوليست بداخلة فيه. فإذا أبصر الأسد فضلي وعرفه وعرف ما عندي كان هو أحرص على كرامتيوتقربي منه.

قال كليلة: أما إذا كان هذا رأيك فإني أحذرك صحبة السلطان فإنصحبته خطر عظيم. وقد قالت العلماء: في أمور ثلاثة لا يجتزئ عليها إلا الأهوج ولايسلم منها إلا القليل؛ منها صحبة السلطان، ومنها شرب السم للتجربة، ومنا ائتمانالنساء على الأسرار. وإنما شبّهت العلماء السلطان بالجبل الوعر الصعب المسلك الذيفيه كل ثمرة طيبة، وهو معدن النمور والأسد والذئاب وكل سبع مخوف، والارتقاء إليهشديد والمقام فيه أخوف.

قال دمنة: صدقت فيما وصفت غير أنه من لم يركبالأهوال لم يدرك الرغائب، ومن ترك الذي لعله يبلغ فيه حاجته هيبة له ومخافة لمالعله يتوقى فليس ببالغ جسيماً. وقد قيل في أعمال ثلاثة لا يستطيعها أحد إلا بمعونةمن ارتفاع الهمة وعظم الخطر: منها صحبة السلطان ومنها تجارة البحر ومنها مناجزةالعدو. وقد قالت العلماء في الرجل الفاضل المروءة إنه لا ينبغي أن يُرى في مكانينولا يليق به غيرهما، إما مع الملوك مكرّما وإما مع النساك متبتّلاً، كالفيل إنمايرغب ببقائه وجماله في مكانين، إما في بريةٍ وحشياً وإما مركباً للملوك.

قالكليلة: فخار الله لك فيما عزمت عليه. وأما أنا فإني مخالفك برأيك هذا.

ثم إندمنة انطلق حتى دخل على الأسد وسلّم عليه. فقال الأسد لمن عنده: من هذا؟ قالوا: هذافلان بن فلان. فقال الأسد: قد كنت أعرف أباه. فأدناه الأسد ثم قال له: أين كنت؟فقال دمنة: لم أزل مرابطاً بباب الملك رجاء أن يحضر أمرٌ أعين الملك فيه. فقد تكثرعنده الأمور التي ربما احتيج فيها إلى من لا يؤبه له، فإنه لا يكاد يخلو أحد، وإنكان صغير القدر والمنزلة، أن يكون عنده منفعة وإن صغرت. فإن العود المنثور في الأرضربما انتفع به المنتفع تأكله أذنه فيحكها به. فالحيوان العالم بالضر أحرى أن يُنتفعبه.

فلما سمع الأسد كلام دمنة أعجبه وظنّ أن عنده نصيحة ورأيا، فأقبل علىقرابته فقال لهم: إن الرجل ذا المروءة والعلم يكون خامل المنزلة غامض الأمر، ثمتأبى مروءته وعقله ألا يتبين ويعرف كالشعلة من النار التي يصونها صاحبها وتأبى إلاارتفاعاً.

فلما عرف دمنة أن الأسد قد أعجب به قال: أيها الملك إن رعيتك ومنبحضرتك حذروا أن يرفعوا ما عندهم إليك، ولا تنزلهم منازلهم إلى بذلك كالزرع المدفونفي الأرض من الحنطة والشعير وسائر الأنواع لا يدري أحد ما أجناسها حتى تكون هي التيتخرج وتظهر. وحقٌ على السلطان أن يبلّغ كل امرئ مرتبته على قدر نصيحته ورأيه ومايجد عنده من المنفعة والأدب. فإنه كان يقال: في أمرين لا ينبغي لأحد، وإن كان ملكا،أن يضع واحداً منهما في غير موضعه ولا يزيله في منزلته، وهما حلية الرجلين وحليةالرأس. ومن ضبّب الياقوت واللؤلؤ بالرصاص فليس ذلك مما يصغّر باللؤلؤ والياقوتولكنها تعد جهالة ممن فعل ذلك. وكذلك يقال: لا يصحبنّ الرجل صاحباً لا يعرف ليمينهمن شماله موضعاً. وإنما يستخرج ما عند الرجال ولاتها وما عند الجند قادتها وما فيالدين وتأويله وعلماؤه وفقهاؤه. وقد قيل: إن أشياء ثلاثةً فضل ما بينها متضارب وإنكان يجمعها اسم واحد: فضل المقاتل على المقاتل، والعالم على العالم، والمتكلم علىالمتكلم. وإن كثرة الأعوان إذا لم يكونوا متحيزين مضرّة في العمل. وجاء العمل بصالحالأعوان لا بكثرتهم، كالرجل الذي يحمل الياقوت فلا يثقل عليه حمله وهو واجد بهحاجته. وكذلك العمل الذي بلوغه بالرفق لا يصلحه العنف وإن استظهر به. والوالي حقيقألا يحتقر مروءة رجل وإن صغرت منزلته. وإن الصغير ربما عظم فعظّم كالعصب يؤخذ منالميتة فيستعمل في القوس فيصير إلى حد كرامة عند الملك لحاجته إليه في القوةوالبأس، ويستعمل في السروج فيصير مركباً للملوك والأشراف.

وأحب دمنة أن ينالالمنزلة والكرامة من الملك وأن يعلم القوم أن ذلك ليس من قبل معرفة الأسد إياه ولكنلمروءته في نفسه ورأيه فقط، فقال: إن السلطان لا يقرّب الرجال لقرب آبائهم منه، ولايباعدهم لبعدهم ولكنه ينزلهم على قدر ما عند كل امرئ منهم من المنافع. فإنه ليس شيءأقرب إلى الرجل من جسده فيعتل عليه بعضه فلا يدفع عنه تلك العلة إلا بدواء يؤتى بهمن بعد. والجرذ في البيت جار مجاور، فلما صار مؤذياً عوديَ ونفيَ. والبازيّ وحشيّفلما صار نافعاّ اقتني واتخذ حتى أن الملك يحمله على يده.

فلما فرغ دمنة منكلامه هذا ازداد به الأسد عجباً وأحسن عليه الرد والثناء وقال لجلسائه: إنه لاينبغي للوالي أن يلحّ في تضييع حق ذي الحق ووضع ذي المنزلة عن منزلته، بل ينبغيللوالي أن يستدرك ما مضى من تفريطه في ذلك ولا يغترّ برضا المفعول به وإقراره بذلك. فإن الناس في ذلك رجلان: رجل أصل طباعه الشراسة، فهو كالحية إن وطئها الواطئ فلمتلدغه لم يكن جديراً أن يغرّه ذلك فيعود إلى وطئها فلتدغه.

ورجل أصل طباعهالسهولة، فهو كالصندل البارد الذي إذا أفرط في حكه عاد حاراً مؤذيا.
ثم إن دمنةلما استأنس بالأسد خلا به وقال له: إني قد رأيت الملك أقام بمكانه هذا زمنا لا يبرحمنه فأنى ذلك؟

قال الأسد وكره أن يعلم دمنة أن ذلك منه جبن: لم يكن ذلكليأس.

فبينما هما يتحاوران إذ خار الثور خواراً شديداً هيّج روح الأسد حتىأخبر دمنة بما في نفسه، فقال: هذا الصوت الذي أصمع لا أدري ما هو. غير أني أظن أنجثة صاحبه على قدر صوته، وأن قوته على قدر جثته. فإن كان ذلك كذلك فليس لنا هنامكان ولا قرار.

قال دمنة: فهل راب الملك شيء غير هذا الصوت؟

قالالأسد: لم يريني شيء غيره.

قال دمنة: فليس الملك بحقيق أن يبلغ منه هذاالصوت إلى أن يدع مكانه. فإنه يقال: إن السكرَ الضعيف آفته الماء، وإن العقل آفتهالصلف، والمروءة آفتها النميمة، والقلب الضعيف آفته الصوت الشديد والجلبة. وإن فيبعض الأمثال بياناً من أن ليس كل الأصوات تُهاب.

قال الأسد: فما هذاالمثل؟
مثل الثعلبوالطبل

قال دمنة: زعموا أن ثعلباً جائعاً أتىعلى أجمة فيها طبل ملقى إلى جانب شجرة. فإذا هبت الريح تحركت أغصان الشجرة وأصابتالطبل فصوّت صوتاً شديدا. فسمع الثعلب ذلك الصوت فتوجه نحوه حتى انتهى إلى الطبل. فلما رآه ضخما قال في نفسه: إن هذا لخليق بكثرة الشحم واللحم. فعالجه أشد العلاجحتى شقّه. فلما رآه أجوف، قال: لعلّ أفشل الأشياء أعظمها جثة وأعظمهاصوتا.

وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أن هذا الصوت الذي يروّعنا لو انتهيناإليه وجدناه أيسر مما في أنفسنا. وإن شاء الملك بعثني نحو هذا الصوت وأقام هو مكانهحتى أرجع إليه ببيان خبره. فوافق الأسد دمنة على قوله فإذن له.

فانطلق دمنةنحو المكان الذي فيه الثور. فلما فصل دمنة من عند الأسد فكّر الأسد في أمره فندمعلى إرساله دمنة حيث أرسله، وقال في نفسه: ما أصبت بائتماني دمنة على ما ائتمنتهعليه وإطلاعه على سري بعد أن كان مطروحاً على بابي. فإن الرجل الذي يحضر بابالسلطان إذا كانت قد أطليت جفوته من غير جرم، أو كان متعنّتاً عليه عند سلطانه، أومعروفاً بالحرص والشره، أو كان أصابه ضرّ وضيق فلم ينتعش، أو حيل بينه وبين ما كانفي يديه من سلطان أو مال، أو كان يلي عملاً ففرق وانتقص منه وشورك بينه وبين آخر،أو كان اجترم جرماً يخاف العقوبة عليه، أو كان شريراً لا يحب الخير، أو كان وقف علىخزاية، أو كان جنى جناية في نظرائه، أو كان أبلى هو ونظراؤه بلاءً حسناً ففضلوا فيالجزاء، أو كان له عدو مشاحن ففضّل عليه في المنزلة والجاه، أو كان غير موثوق به فيالدين والهوى، أو كان يرجو في شيء مما ينفعه، أو هو لعدو السلطان سلماً ولسلمهحرباً. فكل هؤلاء ليس السلطان حقيقاً أن يعجّل الاسترسال إليهم والثقة بهموالائتمان لهم. وإن دمنة ذو دهاء وأرب، فقد كان ببابي مطروحاً فلعله قد احتمل بذلكضغنا يحمله على أن يخزنني ويتعبني. ولعله إن صادف صاحب الصوت أقوى مني سلطاناً يرغبفيما عنده فيميل معه عليّ ويدلّه على عورتي.

فلم يزل الأسد يفكر في ذلك حتىاستخفه الفكر من مكانه فجعل يمشي ويقعد وينظر إلى الطريق حتى رفع له دمنة مقبلاً. فلما رآه قد أقبل وليس معه أحد اطمأنت نفسه ورجع إلى مكانه، إرادة أن لا يظن دمنةأن شيئاً استخفه من مكانه.

فلما دخل دمنة على الأسد قال له: ما صنع؟ قال: رأيت ثوراً هو صاحب الصوت الذي سمعت. قال الأسد: فما قوته؟ قال: لا شوكة له، قددنوت منه وكلمته وحاورته محاورة الأكفاء فلم يستطع لي شيئاً. قال الأسد: لا يغرّنكذلك منه ولا يصغرنّ عندك أمره، فإن الريح الشديدة لا تحطم الحشيش الضعيف وهي تحطمعظام الشجر والقصور. وكذلك الصناديد يقصد بعضها بعضاً. قال دمنة: لا يهابنّ الملكمنه شيئاً ولا يكبرن أمره في نفسه. فإن الملك إن شاء الله أن آتيه به فيكون لهعبداً سامعاً مطيعاً فعلت.

ففرح الأسد بقوله وقال: دونك، فقد شئت ذلك. ثم إندمنة انطلق إلى الثور فقال له غير هيّاب ولا متعتع: إن الأسد أرسلني إليك لآتيه بك،وأمرني إن أنت عجّلت الإيصال إليه طائعاً أن أؤمنك على ما سلف من ذنوبك في تأخركعنه وتركك لقياه، وإنت أنت تلكّأت أن أسرع إليه الرجعة فأخبره بذلك.

قالالثور: ومن هذا الأسد الذي أرسلك إليّ وأين هو؟

قال دمنة: هو ملك السباعومنزله بمكان كذا وكذا مع جنوده من السباع.

فرعب الثور من ذكر الأسد والسباعوقال لدمنة: إن أنت جعلت لي الأمان على نفسي انطلقت معك إليه. فأعطاه دمنة الأمانوما وثق به منه.

ثم أقبلا جميعاً حتى دخلا على الأسد فأحسن الأسد مقابلةالثور وقال: قدمت هذه البلاد وما أقدمكما؟ فقصّ عليه شتربة قصته.

فقالالأسد: إن مكرمك ومحسن إليك وما صحبتني. فدعا له الثورة وأثنى عليه وأقام معهوقرّبه الأسد وأكرمه ولاطفه واختبره فوجد منه رأياً وعقلاً فائتمنه على أسرارهواستشاره في أموره، فلم يزده طول المقام عنده إلا عجباً به ورغبة فيه وتقريباً منهحتى صار أخصّ أصحابه عند منزلة.

فلما رأى دمنة أن الأسد استخص الثور لنفسهدونه ودون أصحابه، وأنه صاحب خلواته وحديثه ولهوه حسده كل الحسد، وبلغ منه كل مبلغ،فشكا ذلك إلى أخيه كليلة وقال: ألا تعجب لعجز رأيي وصنيعي بنفسي ونظري فيما ينفعالأسد وإغفالي نفع نفسي وضرّها، حتى جلبت إليه من غلبني على منزلتي.

قالكليلة: أصابك ما أصاب الناسك.

قال دمنة: وكيف كان ذلك؟
مثل الناسك واللص والثعلب وامرأةالإسكاف

قال كليلة: زعموا أن ناسكاً أصاب من بعضالملوك كسوة فاخرة فبصُرَ به لص من اللصوص فرغب في الكسوة التي كسيها الناسك،فانطلق إليه قائلاً: إني أريد أن أصحبك وأتعلم منك وآخذ من أدبك. فصحبه متشبّهاًبالنساك. وكان يرفق بالناسك ويتلطف في خدمته ويوقره حتى أصاب منه غفلة فاحتمل تلكالكسوة فذهب بها. فلما فقد الناسك الرجل والثياب عرف أنه صاحبه، فطلبه في مظانّهحتى توجه في طلبه نحو مدينة من المدائن. فمرّ في طريقه على وعلين يتناطحان فطالانتطاحهما حتى سالت الدماء منهما. فجاء الثعلب يلغ في تلك الدماء. فبينما هو مكبّعليها إذ التفّ عليه الوعلان ينطحانه وهو غافل فقتلاه.

ومضى الناسك حتىانتهى إلى المدينة فدخلها ممسياّ. ولم يجد مأوىً ولا مبيتاً إلا بيت امرأة أرملةفنزل بها. وكان لتلك المرأة عبد يتاجر بمالها، فعرفت أنه يخونها ويضرها فاضطغنتعليه واحتالت لقتله ليلة أضافت الناسك. فسقّت العبد من الخمر صرفاً حتى غلب فنام. فلما استثقل نوما عمدت المرأة إلى سمّ كانت قد هيّأته فجعلته في قصبة لتنفخه فيأنفه. فوضعت إحدى طرفي القصبة في أنفه والطرف الآخر في فيها. فبدره من قبل أن تنفخفي القصبة عطاس خرج من أنفه فطار ذلك السم في حلق المرأة فوقعت ميتة، وذلك كله بعينالناسك. ثم أصبح غادياً في طلب ذلك اللص فأضافه رجل إسكاف وقال لامرأته: انظري هذاالناسك فكرّميه وأحسني القيام عليه فإنه قد دعاني بعض أصحابي إلى دعوة. فاطلقالإسكاف.

وكان بين المرأة وزوجة رجل حجّام صداقة فأرسلت إليها تدعوها إلىوليمة وتخبرها أن زوجها عند أصحابه، وأنه لا يرجع إلا سكران في منتصف الليل، فلهميلنقضي بعض ساعات في القصف. إلا أن الإسكاف عاد بعد قليل وطلب العشاء وكانت امرأتهتقاعدت عن تهيئته لتستعد لاستقبال صديقتها امرأة الحجّام. فاعتذرت له فلم يقبلعذرها فأقبل عليها وضربها ضرباً مبرحاً وأوثقها إلى سارية في البيت وذهب ونام لايعقل.

ثم جاءت امرأة الحجام بعد ساعة لمسامرة صديقتها امرأة الإسكاف فوجدتهامربوطة، فقالت لها: إن زوجي عاد قبل أوانه وربطني بهذه السارية فإن شئت أن تحسنيإليّ وتحليّني ربطتك مكاني حتى أعد الوليمة كما وعدتك. ففعلت امرأة الحجام ذلك. فاستيقظ الإسكاف قبل رجوع امرأته فناداها في الظلام مراراً باسمها فلم تجبه امرأةالحجام مخافة أن يعرف صوتها. ثم دعاها وسمّاها مراراً. كل ذلك وامرأة الحجّام لاتجيبه فازداد غضبا، وقام إليها بالسكين واحتزّ أنفها وقال لها: خذا هذا جزاء عنادك،وهو لا يشك في أنها امرأته.

ثم رجعت امرأة الإسكاف فرأت صنع زوجها بامرأةالحجام فساءها ذلك وحلت وثاقها وأوثقت نفسها مكانها وأخذت الأخرى أنفها وانطلقت إلىبيتها خائبة. كل ذلك بعين الناسك وسمعه.

ثم إن امرأة الإسكاف رفعت صوتهافدعت ربها وتضرعت إليه وجعلت تبتهل وتقول: اللهم إن كان زوجي قد ظلمني فأعي عليّأنفي صحيحاً. فقال لها زوجها: ما هذا الكلام يا ساحرة. فقالت: قم أيها الظالم فانظرإلى عملك وتغيير الله عليك ورحمته إياي، فها قد عاد إلي أنفي صحيحاً. فقام وأوقدناراً ونظر إلى امرأته فوجد أنفها صحيحاً فباء بالذنب إلى ربه واعتذر إلى امرأتهوسألها ان ترضى عنه.

أما امرأة الحجام فلما انتهت إلى بيتها حارت في أمرهاوقالت: ما عذري عند زوجي وعندالناس في جدع أنفي؟ فلما كان السَّحر استيقظ زوجهافناداها أن ائتيني بمتاعي فإني أريد أن أحجم بعض أشراف المدينة. فلم تأته من متاعهبشيء إلا بالموسى. فغضب الحجام فرماها بالموسى في الظلمة فرمت بنفسها إلى الأرضوصرخت وولولت: أنفي.. أنفي. فلم تزل تصيح حتى جاء أهلها وذو قرابتها فانطلقوابزوجها إلى القاضي فقال له: ما حملك على جدع أنف امرأتك؟ فلم يكن له حجة يحتج بهافأمر القاضي بالحجام أن يعاقب.

فلما قدّم للعقوبة قام الناسك فتقدم إلىالقاضي وقال له: لا يشتبهنّ عليك أيها القاضي، فإن اللص ليس هو من سرقني، وإنالثعلب ليس الوعلان قتلاه، وإن الأرملة ليس السم قتلها، وإن امرأة الحجام ليس زوجهاجدعها، بل نحن جميعاً فعلنا ذلك بأنفسنا. فسأله القاضي عن تفسير ذلك فأخبره، فأمرالقاضي بإطلاق الحجام.

قال كليلة لدمنة: وأنت أيضا فإنما فعلت ذلكبنفسك.

قال دمنة: قد سمعت هذا المثل وهو شبيه بأمري. ولعمري ما ضرني أحد سوىنفسي، ولكن ما الحيلة الآن؟

قال كليلة: أخبرني أنت عن رأيك فيذلك؟

قال دمنة: أما أنا فلست ألتمس اليوم إلا أن أعود إلى منزلي. فإن خلالاًثلاثاُ للعاقل حقيق بالنظر فيها والاحتيال له: منها النظر فيما مضى من الضر والنفعفيحترس من الضر الذي أصابه أن يعود إليه ويعمل الطيب لالتماس النفع الذي مضى عليهويحتال لاستقباله. ومنها النظر فيما هو مقيم عليه من المنافع والمضار فيعمل في تلكالمنافع والاستثمار منها لئلا تزول عنه، والخروج من تلك المضار جهده. ومنها النظرفي مستقبل ما يرجو من قبل النفع وما يتخوف من قبل الضر ثم التأني لما يرجو من ذلكوالتوقي لما يخاف منه. وإنما نظرت في الأمر الذي أرجو أن تعود به منزلتي التي كنتعليها فلم أجد لذلك إلا الاحتيال على الثور حتى يفارق الحياة. فإن ذلك صالح لأمري،وعسى مع ذلك أن أكون خيراً للأسد منه، فإنه قد أفرط في أمر الثور إفراطاً قد هجّنرأيه فأضغن عليه عامة قرائبه.

قال دمنة: بلى إن الأسد قد أغرم بالثور إغراماشديدا حتى استخف بغيره من نصحائه وقطع عنهم منافعه. وإنما يؤتى السلطان من قبل ستةأشياء: منها الحرمان والفتنة والهوى والفظاظة والزمان والخُرق. فأما الحرمان فإنهيحرم صالح الأعوان والنصحاء والساسة من أهل الرأي والنجدة والأمانة، ويبعد من هوكذلك منهم. وأما الفتنة فهو يجر الناس إلى وقوع الفتن والحرب بينهم. وأما الهوىفالإغرام بالنساء والحديث أو بالشراب أو بالصيد وما أشبه ذلك. وأما الفظاظة فإفراطالحدة حتى يجمح اللسان بالشتم واليد بالبطش في غير موضعهما. وأما الزمان فهو مايصيب الناس من الشر والموتان والغربق ونقص الثمرات وأشباه ذلك. وأما الخرق فإعمالالشدة في موضع اللين، واللين في موضع الشدة. وغن الأسد قد أغرم بالثور إغراماًشديدا، وهو الذي ذكرت لك أنه خليق أن يشينه ويضره في أمره.

قال كليلة: وكيفتطيق الثور وهو أشد منك وأكرم على الأسد وأكثر أصدقاء.

قال دمنة: لا تنظرنإلى صغري وضعفي، فإن الأمور ليست تجري على القوة والشدة والضعف. وكم من صغير ضعيفقد بلغ بحيلته ودهائه ورأيه ما يعجز عن الأسد. أولم يبلغك أن غراباً احتال لأسودحتى قتله برفقه ورأيه.

قال كليلة: وكيف كان ذلك؟
مثل الغراب والأسود وابنآوى

قال دمنة: زعموا أن غراباً كان له وكر فيشجرة في الجبل وكان قربه حجر ثعبان أسود. وكان إذا أفرخ الغراب في كل سنة ذهبالأسود إلى وكره فأكل فراخه. فلما فعل ذلك به مرات وبلغ من الغراب كل مبلغ، شكاأمره إلى صديق له من بني آوى، فقال له: أردت أن أستأمرك في شيء هممت به إن واطأتنيعليه. فقال: وما هو؟ قال: أريد أن آتي الأسود فأفقأ عينيه. قال ابن آوى: بئس الحيلةاحتلت، فالتمس حيلة تظفر بها من الأسود في غير إهلاك لنفسك ولا مخاطرة. وإياك أنيكون مثلك مثل المكّاء الذي أراد قتل السرطان فقتل نفسه.

قال الغراب: وكيفكان ذلك؟
مثل المكّاءوالسرطان

قال ابن آوى: كان المكاء معششا في أجمةمخصبة كثيرة السمك فعاش هناك ما عاش. ثم كبر فلم يستطع الصيد فأصابه جوع شديد وجهدفالتمس الحيل وقعد متحازناً، فرآه سرطان من بعد فدنا منه وقال له: ما لي أراك قدعلتك الكآبة؟ قال المكاء: وكيف لا أكون كذلك وإنما كانت عيشتي إلى اليوم مما أصيدهاهنا من السمك كل يوم سمكة أو سمكتين فكنت أعيش بذلك، وكان ذلك لا ينقص السمككثيرا. وإني رأيت اليوم صيادين أتيا هذا الموضع فقال أحدهما لصاحبه: أرى في هذهالأجمة سمكا كثيرا نصيد لمدة. فقال صاحبه: إني قد عرفت في ما أمامنا مكانا فيهالسمك أكثر، وانا أحب أن نبدأ به، فإذا فرغنا منه انصرفنا إلى ما هاهنا فنقيم عليهحتى نفرغ منه. وقد علمت أنهما إذا رجعا مما توجها له انصرفا إلينا فلم يدعا في هذهالأجمة سمكة إلا صاداها. فإذا كان ذلك كذلك فهو موتي.

فانطلق السرطان إلىجماعة السمك فأخبرهن بذلك فأقبلن إلى المكاء يستشرنه فقلن له: إنا قد أتيناكنستشيرك فأشر علينا، فإن ذا العقل لا يدع مشورة عدوه إذا كان ذا رأي في الأمر يشيربما فيه نفعه أو ضره. وأنت ذو رأي، ولك في بقائننا صلاح ونفع، فأشر علينا. قالالمكاء: أما قتال الصيادين ومكابرتهما فلا طاقة لي بهما، ولا أعلم حيلة. إلا أني قدعلمت موضعا فيه غدير كثير الماء، وفيه قصب. فلو استطعتن التحول إلى ذلك الغدير كانفيه صلاحكن وخصب بكن. قلن: وكيف لنا بالتحول إلا أن تجتاز بنا إليه؟ قال: فإنيسأفعل ولكن في ذلك إبطاء، ولعل الصيادين لا يحتبسان عني حتى أفرغ من نقلكن. فجعلالمكاء يحمل كل يوم سمكتين فينطلق بهن إلى بعض التلال فيأكلهن ولا يشعر بذلك بقيتهنحتى كان ذات يوم وقال له السرطان: إني قد أشفقت من مكان هذا فاحملني إلى ذلكالغدير. فحمل المكاء السرطان حتى أتى بعض الأماكن التي كان يأكل السمك فيها. فنظرالسرطان فإذا عظام كثيرة من عظام السمك، فعلم أن المكاء صاحبها وأنه يريد به مثل ماصنع بالسمك، فقال في نفسه: إن اللاقي إذا لقي عدوه في الموطن الذي يعلم أنه مقتولفيه إن قاتل أو لم يقاتل فإنه حقيق ألا يلقي بنفسه في التهلكة، ولكن يقاتل كرماًوحفاظاً. فأهوى السرطان بكلبتيه إلى عنق المكاء فعصره عصرة وقع منها إلى الأرض ووقعالسرطان معه فمات المكاء وخرج السرطان يدب حتى رجع إلى السمك فأخبرهنالخبر.

قال ابن آوى للغراب: إنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أن بعض الحيلمهلكة للمحتال، ولكني أدلك على أمر إن أنت قدرت عليه كان فيه هلاك الأسود وراحتكمنه.

قال الغراب: وما ذلك؟

قال: أن تطير فتنظر لعلك أن تظفر بحلي منحلي النساء نفيس عند أهله فتختطفه ثم تطير به قريبا، فلا تبرح واقفا وطائرا حتى لاتفوت العيون وتطلبك النساء وتنتهي بالحلي إلى جحر الأسود فترمي به عنده. فإذا انتهىالناس إلى حليهم أخذوه وأراحوك من الأسود. فانطلق الغراب حتى أشرف على امرأة فيحجرة لها قد وضعت ثيابها وحليها وهي تغتسل فاختطف من حليها عقدا، فلم يزل يطر بهويقع حيث يراه الناس حتى انتهى إلى جحر الأسود فرمى به عليه، فهجم الناس على الأسودفقتلوه وأخذوا العقد.

قال دمنة لكليلة: إنما ضربت هذا المثل لتعلم أن الحيلةتفعل ما لا تفعل القوة.

قال كليلة: إن الثوة لو لم يكن جمع مع شدته رأيالكان ذلك، ولكنه مع نجدته ذو رأي وعقل فكيف ذلك به؟

قال دمنة: إن الثور شديدفي قوته ورأيه ولكنه بي مغتر ولي آمن. فأنا خليق أن أصرعه كما صرعت الأرنبالأسد.

قال كليلة: وكيف كان ذلك؟
مثل الأرنبوالأسد

قال دمنة: زعموا أن أسداً كان في أرضكثيرة الماء والخصب، وكان ما بتلك البلاد من الوحش في سعة من الماء والمرعى. إلا أنذلك لم يكن ينفعهما من خوف الأسد. فائتمرت تلك الوحوش واجتمعت إلى الأسد فقلن له: إنك لا تصيد الدابة منا إلا في تعب ونصب. وإنا قد رأينا لنا ولك فيه راحة، فإن أنتأمنتنا فلم تخفنا جعلنا لك كل يوم دابة ترسل بها إليك عند غدائك. فرضي الأسد بذلكوصالحهن عليه وقررن ذلك له. ثم غن أرنباً أصابتها القرعة فقالت لهن: ما ضركن إنأنتن رفقتن بي فيما لا يضركن لعلي أن أريحكن من الأسد، فقلن: وما الذي تأمرين منالرفق بك؟ قالت: تأمرن من ينطلق معي ألا يتبعني لعلي أن أبطئ على الأسد بعض الإبطاءحتى يتأخر غداؤه. قلن: فلك ذلك. فانطلقت الأرنب متأنية حتى إذا جاوزت الساعة التيكان الأسد يأكل فيها تقدمت إليه تدب رويدا. وقد جاع الأسد حين أبطأ عنه غداؤه فغضبوقام من مربضه يتمشى حتى إذا رأى الأرنب قال لها: من أي جئت وأينالوحوش؟

قالت: كإني رسول الوحوش أرسلتني إليك وقد بعثنّ معي لك بأرنب. فلماكنت ههنا قريبا منك استقبلني أسد فأخذها مني وقال: أنا أولى بهذه الأرض ووحشها. فقتلت له: إن هذه غداء الملك أرسلت بها إليه الوحوش فلا تغصبنّه. فغضب الأسد وقال: انطلقي معي فأريني هذا الأسد. فانطلقت بالأسد إلى جب ذي صاف عميق فقالت: هذا مكانالأسد وأنا أفرق منه إلا أن تحملني في حضنك فلا أخافه حتى أريكه. فاحتضنها الأسدوقدمته إلى الماء الصافي فقالت له: هذا الأسد وهذه الأرنب. فنظر الأسد فرأى ظله وظلالأرنب في الماء فلم يشك في قولها، فوضع الأرنب ووثب لقتاله فغرق في الجب وأفلتتالأرنب وعاد إلى الوحوش فأعلمتهن صنيعها بالأسد.

قال كليلة: إن أنت قدرت علىهلاك الثور في شيء ليس على الأسد فيه مضرة فشأنك به. فإن مكان الثور قد أضر بك وبيوبغيرنا من جنود الملك. وإنت أنت لم تستطع ذلك إلا بشيء ينغص الأسد فلا تشترين ذلكبهذا، فإنه غدر منك ومنا ولؤم.

ثم إن دمنة ترك الدخول على الأسد أياما ثمأتاه على حال خلوة وفراغ منه متحازنا. فقال الأسد: ما لي أراك اليوم خبيث النفس ولمأرك منذ أيام؟ قال: ما يخفى عليك. قال الأسد: خير. قال: ليكن الخير. قال الأسد: هلحدث شيء؟ قال دمنة: حدث ما لم يكن الأسد يريده ولا أنا. قال الأسد: وما ذلك؟ قالدمنة: هو كلام غليظ فظيع لا يصلح ذكره إلا على فراغ. قال الأسد: فهذه حال خلوةوفراغ فأخبرني بما عندك.

قال دمنة: إن كل كلام يكرهه سامعه لم يتشجع عليهقائله. فإن كان نصحاً فهو من قائله جرأة إلا أن يثق بعقل صاحبه المقول له ذلك. فإذاكان المقول له عاقلاً احتمل ذلك واستمع له لأنه ما كان فيه من نفع فهو للسامع. فأماالقائل فإنه لا نفع له إلا أداء الحق والنصيحة. وإنك أيها الملك ذو الفضيلة فيالرأي والعقل، فأنا متشجع لثقتي بك على أن أخبرك بما يكرهه الملك لأنك تعرف نصيحتيوإيثاري إياك على نفسي. فإنه ليعرض في نفسي أنك غير مصدق ما أنا ذاكر لك. ولكن إذاذكرت أن أنفسنا، معشر السباع، معلقة بنفسك لم أجد بداً من أداء الحق الذي يلزمني. وإن أنت لم تسألني أو خفت أن لا تقبله مني فإنه يقال: إن من كتم السلطان نصيحته أوكتم الأطباء مرضه أو كتم الإخوان فاقته فقد خان نفسه.
قال الأسد: ما ذلكالأمر؟

قال دمنة: أخبرني الأمين الثقة أنشتربة خلا برؤوس جندك فقال لهم: "قد عجمت الأسد وبلوت رأيه وقوته ومكيدته فاستبان لي أن ذلك كله منه ضعف، وأن ليوله شأنا". فلما بلغني هذا عرفت أن شتربة خوّان كافر غدار بك قد أكرمته الكرامةكلها وجعلته نظيراً لنفسك. وقد تطلعت نفسه إلى أن ينزل بمثل منزلتك، وأنك لو زلت عنمكانك صار ملكنا. فهو لا يدع جهداً إلا بلغه فيك. فإنه قد كان يقال: إذا عرف الملكرجلاً قد كاد أن يساويه في المنزلة والرأي والهيئة والمال والمنع فليصرعه. فإنه إنلم يفعل ذلك كان هو المصروع. وأنت أيها الملك أعلم بالأمور وأبلغ فيها. وإني أرى أنتحتال لهذا الأمر قبل تفاقمه ولا تنتظر وقوعه. فإني لا أدري هل تقدر على استدراكهبعد ذلك أم لا. وقد كان يقال إن الرجال ثلاثة: حازمان وعاجز. فأحد الحازمين من إذانزل به البلاء لم يدهش ولم يعيَ بحيلته ورأيه ومكيدته التي يرجو بها المخرج مما نزلبه ولم يذهب قلبه شعاعا. وأحزم من هذا المتقدم ذو البعد في الرأي الذي يعرف الأمرمقبلاً قبل وقوعه فيعظمه إعظامه ويحتال له حيلة كأنه رأي عين فيحسم الداء قبل أنيبتلى به ويدفع الأمر قبل وقوعه. فأما العاجز فهو المتردد في أمره المتواني في رأيهالمتمني فيما بينه وبين نفسه حتى ينزل به الأمر. وهو مفرد مضيّع حتى يهلك. ومثل ذلكمثل السمكات الثلاث.

قال الأسد: وكيف كان ذلك؟
مثل السمكات الثلاث

قال دمنة: زعموا أن غديراً كان فيه ثلاث سمكات عظام، وكان ذلك الغدير بفجوةمن الأرض لا يقربها أحد. فلما كان ذات يوم اجتاز من هناك صيادان فأبصرا الغديرفتواعدا أن يرجعا بشبكتهما فيصيدا تلك السمكات الثلاث التي فيه. فسمعت السمكاتقولهما. وإن سمكة منهن كانت أعقلهن ارتابت وتخوّفت وحاولت الأخذ بالحزم فخرجت منمدخل الماء الذي كان يخرج من الغدير إلى النهر فتحوّلت إلى مكان غيره. وأما الثانيةالتي كانت دونها في العقل فإنها تأخرت في معالجة الحزم حتى جاء الصيادان فقالت: قدفرّطت وهذه عاقبة التفريط. فرأتهما وعرفت ما يريدان فوجدتهما قد سدّا ذلك المخرجفقالت: قد فرّطت فكيف الحيلة على هذا الحال للخلاص، وقلما تنجح حيلة العجلةوالإرهاق. ولكن لا نقنط على حال ولا ندع ألوان الطلب. ثم إنها، للحيلة، تماوتت فطفتعلى الماء منقلبة على ظهرها فأخذها الصيادان يحسبان أنها ميتة فوضعاها على شفيرالنهر الذي يصب في الغدير فوثبت في النهر فنجت من الصيادين. وأما العاجزة فلم تزلفي إقبال وإدبار حتى صيدت.

وأنا أرى أيها الملك معالجة الحزم في الحيلة كأنكتراه رأي العين فتحسم الداء قبل أن تُبتلى به وتدفع الأمر قبل نزوله.

قالالأسد: قد فهمت مثلك ولكني لا أظن الثور يغشّني ولا يبتغي لي الغوائل بعد حسن بلائيعنده وصنيعي إليه، وإنه لا يستطيع أن يتذكر مني سيئة أتيتها إليه ولا حسنة رددتهاعنه.

قال دمنة: إنه لم يفسد عقله عليك إلا فضل إكرامك إياه حتى بلغ في نفسهما طمع في مرتبتك. فإن اللئيم العاجز لا يزال مناصحاً نافعاً حتى يُرفع إلى المنزلةالتي ليس هو لها بأهل، فإذا بلغها رغب عنها ومنته نفسه وما فوقها بالغش والخيانة. وإن اللئيم الكفور لا يخدم السلطان ولا ينصح له إلا عن فرق أو حاجة. فإذ استغنىوأمن وعاد إلى جوهره وأصله كذنب الكلب الأعقف الذي يُربط ليقوّم لا يزال مستقيماًما دام مربوطاً. فإذا أطلق عاد لانحنائه وعوجه.

واعلم أيها الملك أن من لميقبل من نصحائه ما يثقل عليه في ما ينصحون له فيه لم يحمد غبّ رأيه، وكان كالمريضالذي يدع ما تنعت له الأطباء ويعمد لشهوة نفسه. وإن من الحق على وزير السلطانالإبلاغ في التحضيض له على ما يشتهيه ويريده والكف عما يضره ويشينه. وخير الإخوانوالأعوان أقلهم مصانعة في النصيحة. وخير الأعمال أجملها عاقبة. وخير النساءالموافقة لبعلها. وخير الثناء ما كان على أفواه الأخيار. وخير الأصدقاء من لايخاصم. وخير الأغنياء من لا يكون للحرص أسيرا. ثم قال: لو أن امرأً توسد الحياتوافترش النار كان أخلق لأن يهنئه النوم منه إذا أحس من صاحبه عداوة يريد بها نفسهيغدو بها عليه ويروح. وأعجز الملوك آخذهم بالهويناء. وأقلهم نظراً في الأمور أشبههمبالفيل الهائج الذي لا يلتفت إلى شيء، فإن حدث به أمر تهاون به.

قال الأسد: لقد أغلظت في القول، وقول الناصح مقبول وإن غلظ. ولكن شتربة وإن كان عدوا كما تقولفليس يستطيع لي ضراً. وكيف يستطيع ذلك وهو آكل عشب وأنا آكل لحم؟ وإنما هو لي طعامولست أرى علي منه خوفاً ولا أجد إلى الغدر به سبيلا بعد الأمان الذي جعلت له، وبعدحرمة النصيحة وما كان من إكرامي إياه وحسن ثنائي عليه عند جميع جندي. فإني إذا فعلتذلك جهّلت نفسي وغدرت بذمتي.

قال دمنة: لا تغترنّ بقولك "هو لي طعام". فإنالنورإن لم يستطعك بنفسه احتال لك بغيره. وقد كان يقال: إن أضافك ضيف ساعة وأنت لاتعرف أخلاقه فلا تأمنه على نفسك أن يصل إليك منه أو في
سببه شرّ كما أصاب القملة في ضيافة البرغوت.

قال الأسد: وما أصابالقملة؟
مثل القملةوالبرغوت
قال دمنة: زعموا أن قملة لزمت فراش رجل منالأشراف زماناً وكانت تصيب من دمه وهو نائم وتدب عليه دبيباً رفيقاً، وإن برغوتاًضافها ذات ليلة في فراش ذلك الشريف فلذعه لذعة أيقظته. فأمر الرجل بفراشه فنُظر فيهفطفر البرغوت فذهب وأخذت القملة ففصعت.

وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أنصاحب السوءات لا يسلم من شره. وإن ضعف عن ذلك بنفسه جاءت المعاريض بسببه. فإن كنتلا تخاف الثور خفت عليك مع أني قد أعرف أن لا بدّ له من مناظرتك، وأنه لا يكل أمرهإلى غير نفسه.

فوقع في نفس الأسد قول دمنة وقال له: ماذا تأمرني به؟
قالدمنة: إن الضرس المكسور المأكول لا يزال صاحبه منه في أذىً وألم حتى يفارقه،والطعام الذي غثت النفس عنه وقلقت منه فالراحة في قذفه، والعدو المخوف داؤهفقده.

قال الأسد: قد تركتني وأنا أكره مجاورة شتربة إياي. وإني مرسل إليهفذاكرٌ له ما وقع في نفسي من أمره ثم آمره بالانصراف حيث أحب.

فكره دمنة ذلكوعرف أنه إن كلم الأسد والثور وسمع منه جوابه وعذره عرف كذبه ولم يخف عليهأمره.

فقال دمنة للأسد: أما إرسالك إلى الثور ومذاكرتك إياه ما كان من ذنبهفلا أراه حزما. فانظر أيها الملك في ذلك. فإنه لا يزال لك من أمرك الخيار ما لمتكشف ما وقع في نفسك منه، لأني أخاف إن كشفت له ذلك أن يعالجك بالمكابرة. فإن قاتلكقاتلك مستعداً، وإن فارقك له عليك فصل في الغدر، مع أن أهل الحزم من الملوك لايعلنون عقوبة من لم يعلن ذنبه ولكن لكل ذنب عقوبة. فلذنب السر عقوبة السر ولذنبالعلانية عقوبة العلانية.

قال الأسد: إن الملك إذا عاقب أحداً أو أهانه علىظنة يظنها وعلى غير استيقان بجرمه فنفسه عاقب وإياها أهان.

قال دمنة: أماإذا كان هذا فلا يدخلن عليك إلا وأنت مستعد، ولا يصبن منك غرة فإني لا أحسبك لونظرت إليه حين يدخل عليك إلا ستعرف أنه قد هم بعظيمة. ومن علامة ذلك أنك ترى لونهمتغيراً وترى أوصاله ترعد وتراه يلتفت يميناً وشمالاً وترى قرنيه قد هيّأهما، فعلالذي يهم بالنطح.

قال الأسد: سأكون منه على حذر. وإن أنا رأيت منه هذهالعلامات التي ذكرت وعلمت أن ليس في امره شك.

فلما فرغ دمنة من الأسد وعرفأنه قد أوقع في نفسه ما طلب، وأن الأسد سيحذر الثور ويتهيّأ له، أراد أن يأتي الثورفيعرفه بالأسد. ثم أحب أن يكون انطلاقه بأمر الأسد لئلا يبلغه من غيره فيتهمه. فقالللأسد: هل آتي الثور فأطلع عليه وأنظر ما حاله وأسمع من كلامه، ولعلي أتسقّط منهشيئاً أعلمك به. فإذن له الأسد في ذلك.

فانطلق دمنة حتى دخل على الثورشبيهاً بالمكتئب. فلما رآه الثور رحّب به وقال له: لم أرك منذ أيام فما حبسك؟أسلام؟

قال دمنة: ومتى كمان من أهل السلام من لا يملك نفسه ومن كان أمره بيدغيره ممن لا يوثق به ولا ينفك على خوف وخطر فلا يأتي عليه ساعة إلا وهو خائف علىنفسه ودمه.

قال الثور: وما الذي حدث؟

قال دمنة: حدث الذي قدّر. فمنذا يغالب القدر؟
ومن ذا بلغ جسيماً فلم يبصر؟ ومن ذا اتبع الهوى فلميعطب؟ ومن ذا جاور النساء فلم يفتن؟ ومن ذا طلب إلى الناس فلم يهن؟ ومن ذا واصلالأشرار فسلم؟ ومن ذا صحب السلطان فلم يغتب؟ ولقد أصاب القائل الذي قال: إنما مثلالسلطان في قلة وفائه لمن صحبه وسخاء نفسه عن من فقد منهم كمثل صاحب فندق كلما ذهبواحد جاء آخر.

قال شتربة: أسمع كلاماً وأخاف أن يكون قد أرابك من الأسدريب.

قال دمنة: لقد رابني منه ريب وليس ذلك لنفسي. قد علمت حقك علي وود مابيني وبينك وما كنت جعلت لك من نفسي وذمتي أيام أرسلني إليك الأسد. ولا أجد بداً منحقك وإطلاعك على ما اطلعت عليه مما أخاف عليك.

قال شتربة: وماذلك.

قال دمنة: أخبرني الصادق المؤتمن أن الأسد قال لبعض أصدقائه وأصحابه: لقد أعجبني سمن الثور وليس بي إليه حاجة ولا أراني إلا أن آكله وأطعم من لحمه. فلمابلغتني مقالته هذه عرفت كفره وسوء عهده وأقبلت إليك لأعلمك بذلك فأقضي الذي يجب لكعليّ، فتحتال رفقاً لأمرك.

فلما سمع شتربة كلام دمنة وتذكّر ما كان من دمنةلما جعل له من العهد والمثاق وفكّر في أمر الأسد ظن أن دمنة قد صدقه ونصحله.

فقال شتربة لدمنة: ما كان ينبغي للأسد أن يغدر بي وما أذنبت إليه ذنباًولا إلى أحد من جنده ولكنه حمل عليّ بالكذب وشبّه عليه. فإن الأسد قد صحبه قوم سوءوجرت منهم أمور تصدّق عنده ما بلغه من غيرهم. وكذلك صحبة الأشرار ربما أورثت حزناّكثيراً طويلاً وسوء ظنٍّ بالأخيار حتى تدعوه التجربة في ذلك إلى الخطإ كخطإ البطةالتي رأت في الماء ضوء الكوكب فظنته سمكة فحاولت أن تصيدها. فلما حرمت ذلك مراراًعرفت أنه ليس بشيء. ثم جازت مسال الغدير في تلك الليلة فرأت في ذلك المكان سمكةفظنت أنها مثل التي قبلها فلم تصدها ولم تطلبها.

فإن كان الأسد بلغه عني شيءفصدق به فهلاّ جرّب واختبر فيجري عليّ ما اختبر من غيري. وإن كان لم يبلغه عني شيءفأراد بي سوءاً من غير علية فذلك العجب. وقد كان يقال إن من العجب أن تطلب رضاصاحبك وتشتهي رضاه فلا يرضى. وأعجب من ذلك أن تستتمّ رضاه ثم يسخط. وإذا كان السخطمن غير علة انقطع الرجاء لأن العلة إذا كانت موجودة في ورودها كان الرضا مأمولاً فيصدورها. وقد تذكرت فلا أعلم مما بيني وبين الأسد جرماً إن كان إلا صغيراً. فلعمريما يستطيع أحد أطال صحبة صاحب أن يتحفظ في كل شيء ويحترس حتى لا تكون منه فارطةصغيرة ولا كبيرة يكرهها صاحبه. ولكن ذا العقل وذا الوفاء إذا سقط صاحبه وأذنب نظرفي سقطته وذنبه بقدر مبلغ ما كان منه وخطره، أعمداً كان ذلك أم خطأ. وهل في الصفحعنه أمر يخاف ضرره وشينه أم لا. ثم لا يؤاخذ صاحبه بشيء يجد إلى الصفح عنه سبيلاً. فإن كان الأسد تعنت عليّ ذنباً فإني لا أعلمه. إلا أني ربما خالفت عليه في بعض رأيهنظراً مني ونصيحة، فعسى أن يكون أنزل ذلك مني على الجرأة عليه وعلى مخالفته إذ يقول "لا" فأقول "نعم" أو أن يقول "نعم" فأقول "لا". ولست أجدني مخصوصاً في هذه المقالةلأني لم أخالفه في شيء من ذلك قط على رؤوس جنده ولا عند خاصته، ولكن كنت أخلو بهفألتمس ما أكلمه من ذلك كلام القانت لربه الموقن له. وعرفت أنه من طلب الرخص منالنصحاء عند المشاورة، ومن الأطباء عند المرض، ومن الفقهاء في الشبهة أخط منافعالرأي وازداد في الرأي المريض وجعل الوزر في الدين.

فإن لم يكن هذا فعسىذلك أن يكون من بعض سكرات السلطان. فإن من سكراته أن يرضى عن من استوجب السخط،ويسخط على من استوجب الرضا من غير سبب معلوم. وكذلك قالت العلماء: خاطر من لجج وأشدمنه مخاطرة صاحب السلطان، فإن هو صحبه بالوفاء والاستقامة والمودّة والنصيحة فهوخليق لأن يعثر فلا ينتعش أو يعود وقد أشفى على الهلة إن انتعش.

وإن لم يكنهذا فلعل بعض ما أعطيته من الفضل جعل فيه هلاكي. وبعض المحاسن آفة لصاحبها. فإنالشجرة الحسنة ربما كان فسادها في طيب ثمرتها إذا تدلت أغصانها فتجذب حتى تكسروتفسد، وإن الطاووس ربما صار ذنبه الذي هو حسنه وجماله وبالاً عليه. فإذا احتال إلىالخفة والنجاة ممن يطلبه شغله عن ذلك ذنبه، والفرس الجواد القوي ربما أهلكه ذلكفجُهد وأتعب واستعمل لما عنده من الفضل حتى يهلك. وكذا الرجل ذول الفضل، ربما كانفضله سبب هلاكه لكثرة من يحسده ويبغي عليه من أهل الشر. وأهل الشر أكثر من أهلالخير بكل مكان. فإذا عادوه وكثروا عليه أوشكوا أن يهلكوه.

فإن لم يكن هذا،فهو إذا القدر الذي يسلب الأسد شدته وقوته حتى يدخلوه القبر. وهو الذي يحمل الضعيفعلى ظهر الفيل. وهو الذي يسلط الحوّاء على الحية فينزع حمتها فيلعب بها كيف شاء. وهو الذي يعجز الأريب ويحزّم العاجز ويثبّط الشهم ويشهّم الثبط ويوسع على المقترويقتر على الموسر ويشجع الجبان ويجبن الشجاع عندما تعتريه المقادير من معاريضالعلل.

قال دمنة: إن إرادة الأسد لما يريد بك ليست بشيء مما ذكرت من إغراءالأشرار ولا غير ذلك، ولكنه للغدر والفجور. فإنه جبار غدار أول طعامه حلاوة وآخرهمرارة، بل أكثره سم مميت قاتل.

قال شتربة: صدقت، لعمري لقد طعمت طعاماًفاستلذذته فأراني قد انتهيت إلى الذي فيه الموت. وما كان لولا الجبر مقامي مع الأسدفهو آكل لحم وأنا آكل عشب. فقبحاً للحرص وقبحاً للأمل، فهما قذفاني في هذه الورطةواحتبساني عن مذهبي كاحتباس النحل فوق النيلوفر إذا وجدت ريحه واستلذت به وأغفلتمنهاجها الذي ينبغي لها أن تطير فيه قبل انضمام النيلوفر فتلج فيه فتموت. ومن لميرض بالكفاف من الدنيا وطمحت نفسه إلى الفضول والاستكثار، ولم ينظر في ما يتخوّفأمام كان كالذباب الذي ليس يرضى بالشجر والرياحين حتى يطلب المال الذي يسيل من أذنالفيل الهائج فيضربه الفيل بأذنيه فيقتله. ومن بذل نصيحته واجتهاده لمن لا يشكر لههو كمن بذر بذره في السباخ أو أشار على الميت أو سارّ الأصم.

قال دمنة: بأيشيء أحتال لنفسي إن أراد الأسد قتلي. فما أعرفني بأخلاق الأسد ورأيه فأعرفني بأنهلو لم يرد إلا الخير ثم أراد أصحابه بمكرهم وفجورهم هلاكي عنده لقدروا على ذلك. فإنه لو اجتمع المكرة الظلمة على البريء الصحيح كانوا خلقاء أن يهلكوه، وإن كانواضعفاء وكان قوياً، كما أهلك الذئب الغراب وابن آوى والجمل حين اجتمعوا عليه بالمكروالخِلابة.

قال دمنة: وكيف كان ذلك؟
مثل الذئب والغراب وابن آوىوالجمل

قال الثور: زعموا أن أسداً كان في أجمةمجاورة طريقاً من طرق الناس له أصحاب ثلاثة: ذئب وابن آوى وغراب. وأن أناساً منالتجار مروا في ذلك الطريق فتخلف عنهم جمل لهم فدخل الأجمة حتى انتهى إلى الأسدفقال له الأسد: من أين أقبلت؟ فأخبره بشأنه. فقال له: ما تريد؟ قال: أريد صحبةالملك. قال: فإن أردت صحبتي فاصحبني في الأمن والخصب والسعة.

فأقام الجمل معالأسد حتى إذا كان يوم توجّه الأسد في طلب الصيد فلقي فيلاً فقاتله قتالاً شديدا. ثم أقبل الأسد تسيل دماؤه مما جرحه الفيل بنابه فوقع مثخناً لا يستطيع صيداً. فلبثالذئب وابن آوى والغراب أياماً لا يصيبون شيئاً مما كانوا يعيشون به من فضول الأسد،وأصابهم جوع وهزال شديد فعرف الأسد ذلك منهم، فقال: جهدتم واحتجتم إلى ما تأكلون. فقالوا: ليس همّنا أنفسنا ونحن نرى بالملك ما نرى ولسنا نجد للملك بعض مايصلحه.

قال الأسد: ما اشك في مودتكم وصحبتكم ولكن إن استطعتم فانتشروا فعسىأن تصيبوا صيداً فتأتوني به. ولعلي أكسبكم ونفسي خيراً. فخرج الذئب والغراب وابنآوى من عند الأسد، فتنحوا ناحية وائتمروا بينهم وقالوا: ما لنا ولهذا الجمل الآكلالعشب الذي ليس شأنه شأننا ولا رأيه رأينا؟ ألا نزيّننّ للأسد أن يأكله ويعطعمنا منلحمه؟ قال ابن آوى: هذا ما لا تستطيعان ذكره للأسد، فإنه قد أمّن الجمل وجعل لهذمة. قال الغراب: اقيما مكانكما ودعاني والأسد.

فانطلق الغراب إلى الأسد. فلما رآه قال له الأسد: هل حصّلتم شيئاً. قال له الغراب: إنما يجد من به ابتغاءويبصر من به نظر. أما نحن فقد ذهب منا البصر والنظر لما أصابنا من الجوع. ولكن قدنظرنا إلى أمر واتفق عليه رأينا، فإن وافقتنا عليه فنحن مخصبون.

قال الأسد: ما ذلك الأمر؟ قال الغراب. هذا الجمل الآكل العشب المتمرغ بيننا في غيرصنعة..

فغضب الأسد وقال: ويلك ما أخطأ مقالتك وأعجز رأيك وأبعدك من الوفاءوالرحمة. وما كنت حقيقاّ أن تستقبلني بهذه المقالة. ألم تعلم أني أمّنت الجمل وجعلتله ذمة؟ ألم يبلغتك أنه لم يتصدق المتصدق بصدقة أعظم من أن يجير نفساً خائفة وأنيحقن دما؟ وقد أجَرْت الجمل ولست غادراً به. قال الغراب: إني لأعرف ما قال الملك. ولكن النفس الواحدة يُفتدى بها أهل البيت، وأهل البيت يفتدى بهم القبيلة، والقبيلةيفتدى بها المصر، والمصر فدى الملك إذا نزلت به الحاجة. وإني جاعل للملك من ذمتهمخرجاً فلا يتكلف الأسد أن يتولى غدراً ولا يأمر به، ولكنا محتالون حيلة فيها وفاءللملك بذمته وظفر لنا بحاجتنا. فسكت الأسد. فأتى الغراب أصحابه فقال: إني قد كلّمتالأسد حتى أقرّ بكذا وكذا، فكيف الحيلة للجمل إذا أبى الأسد أني يليَ قتله بنفسه أوأن يأمر به؟ قال صاحباه: برفقك ورأيك نرجو ذلك.
قال الغراب: الرأي أن نجتمعوالأسد والجمل ونذكر حال الأسد وما أصابه من الجوع والجهد، ونقول: لقد كان إلينامحسنا ولنا مكرما فإن لم ير منا اليوم خيراً وقد نزل به ما نزل اهتماماً بأمرهوحرصاً على صلاحه أنزل ذلك منا على لؤم الأخلاق وكفر الإحسان. ولكن هلموا فتقدمواإلى الأسد فنذكر له حسن بلائه عندنا وما كنا نعيش به في جاهه، وأنه قد احتاج إلىشكرنا ووفائنا. وأنا لو كنا نقدر له على فائدة نأتيه بها لم ندّخر ذلك عنه. فإن لمنقدر على ذلك بأنفسنا له مبذولة. ثم ليعرض عليه كل واحد منا نفسه وليقل: كلني أيهاالملك ولا تمت جوعا. فإذا قال ذلك قائل أجابه الآخرون وردّوا عليه مقالته بشيء يكونله فيه عذر فيسلم وتسلمون إلا الجمل، ونكون قد قضينا ذمام الأسد.

ففعلوا ذلكودعوا الجمل إلى نادي الأسد، ثم تقدموا إليه فبدأ الغراب وقال: أحق أن تطيب أنفسنالك، فإنا بك كنا نعيش وبك نرجو عيش من بعدنا من أعقابنا. وإن أنت هلكت ليس لأحد منابعدك بقاء ولا لنا في الحياة خير. فأنا أحب أن تأكلني، فما أطيب نفسي لك بذلك. فأجابه الذئب والجمل وابن آوى أن اسكت فما أنت وما في أكلك شبع للملك. قال ابن آوى: أنا مشبع الملك. قال الذئب والجمل والغراب: أنت منتن البطن خبيث اللحم فنخاف إنأكلك الملك أن يقتله خبث لحمك. قال الذئب: لكني لست كذلك فليأكلني الملك. قالالغراب وابن آوى والجمل: قد قالت الأطباء: من أراد قتل نفسه فليأكل لحم الذئب فإنهيأخذه منه الخناق. وظن الجمل أنه إذا قال مثل ذلك يلتمسون له مخرجاً كما صنعوابأنفسهم ويسلم ويرضى الأسد. قال الجمل: لكن أيها الملك لحمي طيب ومريء وفيه شبعللملك. فقال الذئب وابن آوى: صدقت وتكرمت وقلت ما نعرف. فوثبوا عليهفمزقوه.

وإنما ضربت لك هذا المثل عن الأسد وأصحابه لعلمي بأنهم إن اجتمعواعلى هلاكي لم أمتنع منهم. ولو كان رأي الأسد فيّ غير ما هو عليه لم يكن في نفسه إلاالخير. فإنه قد قيل: إن خير السلطان من أشبه النسر حوله الجيف لا من أشبه الجيفحولها النسور. ولو أن الأسد لم يكن في نفسه إلا الرحمة والحب لم تلبس عليه الأقاويلإذا إذا كثرت فتذهب برقته ورحمته حتى يستبدلهما بالشرارة والغلظة. ألا ترى أن الماءألين من القول وأن الحجر أشد من القلب، وليس يلبث الماء إذا طال تحدره على الحجرالصلد أن يؤثر فيه.

قال دمنة: فماذا تريد أن تصنع؟

قال شتربة: ما إنأرى إلا أن أجاهده. فإنه ليس للمصلي في صلاته الدهر ولا أرى للمتصدق في صدقته ولاللورع في ورعه مثل الجهاد إذا جاهدوا على الحق. فإنه من جاهد عن نفسه ودافع عنهاكان أجره في ذلك عظيماً وذكره رفيعاً إن ظفر أو ظُفر به.

قال دمنة: لا أرىذلك، فإنه لت ينبغي القتال مع الأعداء إلا بعد ذهاب الحيل وانقطاعها. فإن معالجةالقتال قبل الاستعداد بغيٌ وخفة. وقد قيل: لا تحقرنّ عدواً وإن كان حقيراً ضعيفاًمهيناً، ولا سيما إذا كان ذا حيلة يقدر على أعوان، فكيف بالأسد مع جرأته وشدته،فإنه من احتقر ضعيفاً لضعفه أصابه ما أصاب المتوكل بالبحر مع الطيطوى.

قالشتربة: وكيف كان ذلك؟


يتبع


اضغطي على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي



||اَخر مواضيع ~ ام اينانا :

0 اصول بعض العشآئر العراقية ..دمج موضوعين ام اينانا + Miss Perfume
0 الافندي .. الافندي .. عيوني الافندي ..)
0 جنين يخرج يده من بطن امـــه !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
0 قصة واقعية اعجبتني...
0 الفرق بين امتحــــان الله

  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيعين إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيعين الرد على المواضيع
لا تستطيعين إرفاق ملفات
لا تستطيعين تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتبه الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
سلسلة من القصص الرائعة للاطفال غربة الروح قصص الاطفال 13 21-09-2009 06:32 PM
سلسلة العلم النافع لعلم التجويد .::. شرح بالصور رونق ملآذّ النفسْ 3 23-07-2009 12:39 PM
سلسلة كيف تختار اللعبة المناسبة لطفلك? ام امين العاب ملاكي الصغير 8 04-03-2009 08:06 PM
بسيطه وحلوة 3sal_alnahrain سحر الانوثه 10 26-09-2008 08:33 PM


الساعة الآن 07:51 AM.