غادة الكاميليا
12-05-2008, 05:17 PM
تتوزع الفنانة التشكيلية ميسلون فرج على أوجه عديدة من النشاطات المرتبطة بالفن التشكيلي العراقي، فسواء كفنانة تشكيلية أو كمالكة لـ )آيا غاليري) ( ayagallery) ( أو كناشطة حريصة على توثيق الفن التشكيلي العراقي، فإنها تبذل مجهودا كبيرا مرتبطا بالعراق و بفنه، بحلاوته و مراراته : فلوحاتها مستله، بشكل يكاد يكون كاملا، من حياتها و ذكرياتها في العراق و قاعة العرض هذه تعرض أعمالا تكاد تكون بشكل حصري أعمالا عراقية، كما أن الموقع الإلكتروني الذي أنشأته و أطلقته يغطي مساحة
واسعة من تاريخ التشكيل العراقي
.
http://www.iraqiyat.org/new/images/stories/2911634_ar28.jpg
هذا كله بالرغم من أن الفنانة التي ولدت في منتصف الخمسينات خارج العراق، وقضت حوالي الثلثين من عمرها خارجه ، ولكن فان السنوات الحاسمة، سنوات التكوين و التشكل من سني حياتها كانت في العراق. بدعوة من المتحف البريطاني قامت الفنانة فرج في الأول من شهر تموز من العام الماضي بتقديم يتضمن عرضا لجوانب من الفن التشكيلي العراقي و الظروف المأسوية التي وجد العراق نفسه فيها لفترات طويلة من حياته بسبب الحروب و ازدراء الإنسان و حقوقه و تأثير و انعكاس كل هذا على فنها و على فن الفنانين العراقيين الآخرين. و هنا بعض ما جاء في ترجمة لهذا التقديم عن الإنكليزية بالنظر لأهميته:
بقلم ميسلون فرج
بقدر ما أستطيع أن أعود فيها بالذاكرة، أجد إنني كنت مفتونة بصنع الأشياء، فبواسطة تجميع قطع من ورق تغليف الحلوى أو أغطية القناني لصناعة تصاميم لثريات، أو أنسجة الخياطة العائدة لوالدتي كنت أصنع تصاميم لملابس الدمى. كما بواسطة اللدائن الملونة، الأقلام الملونة و الأصباغ كنت ارسم العديد من الأعمال زاهية الألوان، كل ذلك كان، كما وجدته، يحمل سحرا بمعنى الكلمة.
ولدت في الولايات المتحدة الأميركية في منتصف الخمسينات و عشت هناك حتى سن الثالثة عشرة قبل أن أعود مع عائلتي إلى العراق. خلال سنوات التكوين تلك كانت عائلتي تتنقل بين مختلف الولايات الأميركية للعمل أو الدراسة. عدم الاستقرار هذا منعني من تكوين اية صداقات. كان الفن هو الذي ساعدني على التغلب على هذه الصعوبة. بدأ ميلي الإبداعي بجذب انتباه أولئك المحيطين بي من معلمين و تلاميذ و بالطبع أيضا أمي و أبي، اللذين شجعاني و سانداني منذ البداية. الأمر الذي جعلني أشعر بخصوصية و أصبح الفن بذلك من البداهة و الضرورة بالنسبة لي كما التنفس. منذ ذلك الحين كان برفقتي دائما القلم و مجموعة أوراق حيثما ذهبت، بل و حتى إلى أعياد الميلاد أو مجالس العزاء.
إلى أن حبي و حاجتي إلى الفن تعززت أكثر بعودتنا إلى بغداد. بفضل والدتي استطعت أن افهم اللغة العربية و أتكلمها إلى حد مقبول. و لكن ترتب علي أن أتعلمها بشكل أكثر إتقانا ما ألزمني أن ابذل مجهودا أكبر في المدرسة الإعدادية. ففي درس النصوص الأدبية الذي تدرس فيه مادة الأدب العربي وجدت أن هذه المادة تنطوي على صعوبات جمة، ليس لأن علينا كدارسات أن نفهم و نحلل أشعارا بالغة التطور و التعقيد و لكن كان علينا أيضا أن نحفظها عن ظهر قلب ! كان الأمر طبيعيا، بل أستطيع القول، انه كان سهلا بالنسبة لأغلب زميلاتي، أما بالنسبة لي فقد كان أقرب إلى المستحيل لولا الفن. فعن طريقه قمت بتحويل القصائد إلى لغة بصرية، ذلك بواسطة رسوم توضيحية سردية على امتداد هوامش كتبي. الصور التوضيحية هي ما أراجعه، و ليس القصيدة نفسها، حين يكون لزاما على أن ألقي أبياتا من قصيدة ما أمام الصف و هذا من متطلبات الدرس. قمت بالممارسة نفسها مع الدروس الأخرى، عدا درس اللغة الإنكليزية بالطبع ! و لم أكن لأضيع بوصة واحدة من الهوامش الفارغة فقد كانت كتبي مغطاة من أولها إلى آخرها برسوم ) ذات الدلالات ). بهذه الطريقة تعلمت العربية سريعا ووفقت في دارستي. على إنني لم أقيّم هذه التجربة و ما مررت به، على أية حال، إلا فيما بعد، ولو لم نكن ملزمين بحفظ الشعر و تذكره بتلك الطريقة، لكنت بقيت حتى اليوم غير حافظة للعديد من القصائد و عندها كم ستكون الخسارة كبيرة.
اللغة العربية بكل غناها : عباراتها المكتوبة، موسيقاها، عمقها الثقافي معتقداتها ناسها، كل هذه المكونات وجدت طريقها عميقا إلى قلبي و لعبت و تلعب دورا أساسيا في منجزي الإبداعي. فالشعراء العراقيون : محمد مهدي الجواهري، مظفر النواب، بدر شاكر السياب، نازك الملائكة، و كذلك الشعراء العرب مثل : نزار قباني، جبران خليل جبران، محمود درويش، و مؤخرا غسان مطر لا يزالون يلهمونني. فالمجموعة الشعرية المؤثرة لغسان مطر: ) بكاء فوق دم النخيل ) التي كتبها في العام 2003 عشية الحرب على العراق، أجد أن صورها الشعرية تحمل شبها كبيرا للوحاتي الموسومة ) النخيل الباكي طفولة مسروقة ) و هي أعمال كنت قد بدأت بإنجازها في السنة نفسها. `
بالرغم من أنني ولدت و ترعرعت في الولايات المتحدة الأميركية فإن سنوات نضجي و سنوات التكوين كانت بشكل حاسم في العراق. فهناك أنهيت دراستي الإعدادية و كونت صداقات لا تنسى، تزوجت من شريك حياتي، حصلت على بكالوريوس العلوم في مجال الهندسة المعمارية و تابعت تأسيس حياتي المهنية في مجال الفن فيما بعد. جذبت اهتمامي أعمالُ الفنانين العراقيين و خصوصا فناني الستينات و السبعينات، و كنت في تلك الفترة قد تعرفت على أعمال الفنانين صالح الجميعي، ضياء العزاوي، راكان دبدوب رافع الناصري، إسماعيل فتاح و آخرين مهمين من خلال زوجي المعماري علي الموسوي الذي ضمّن أعمالهم في التصاميم و المنجزات المعمارية التي أقامها. كما إنني درست تحت إشراف فنانين برزوا في العقود السابقة لهذه الحقبة أخص بالذكر نزيهة سليم أخت الفنانين العراقيين البارزين جواد و نزار سليم. كما تعلمت على يد الفنان فرج عبو خلال دراستي في قسم الهندسة المعمارية. و على الإجمال فقد كان لمثل هذا الجو تأثيرٌ مكثف على أعمالي، به تعزز و لعي و تعلقي بالفن العراقي بشكل عام.
كانت سنوات العقد الثاني من عمري سنوات تحول بالنسبة لي إذ تعرضت أختي إلى حادث مصيري. والدي، رحمه الله، تعرض لأزمة قلبية، وشُخّص لدى والدتي مرض ) الباركنسون ) وفقدت طفلي الأول بعد ستة شهور من الحمل، فجأة تغير العالم من حولي و تغير فهمي له بسرعة. بذا تكون لدي نضج أكبر لتقييم الأمور.
توّج كل هذا بالحرب التي دامت ثماني سنوات مع إيران. في العام 1982 انتقلت للعيش في لندن مع زوجي. و بهذا أصبحت لندن وطني المتبنى، فهنا رزقت بأولادي الثلاثة، و هنا أصبح بمقدوري أن أطور مهاراتي في مجال الرسم و السيراميك. بتركي العراق، البلد الذي تغلغلت جذوري عميقا في تربته، وجدت إنني قد تركت خلفي أناسا أحببتهم من قلبي، و وجدت أن الإنسان و الإنسانية هو ما يثير اهتمامي، وكامرأة عربية مسلمة بتربية شرقية ـ غربية أدركت أن المتضادات و الصدامات و الحروب و فقدان العدالة و حقوق الإنسان و أخطاء الجنس البشري.. و الجمال المفقود هي التي طبعت الكثير من أعمالي.
(العلاقات) هي التي تكمن في جوهر أعمالي و منه تستمد مضمونها ، العلاقات التي تربطنا ببعضنا البعض كبشر : الرجل بأخيه الرجل، الرجل و المرأة، الوالدان بالأبناء، نحن بالآخرين، العلاقات التي تربطنا بالطبيعة، الأرض، الوطن، بالأنهار : **** و الفرات، الأشجار، النخلة العراقية. علاقتنا بالماضي، التاريخ و الحاضر و المستقبل. علاقاتنا بالكون المحيط بنا : الشمس و القمر و النجوم و السماوات.
علاقاتنا مع أنفسنا مع أطفالنا مع لغتنا، مع ثقافتنا و موروثنا، معتقداتنا و ناسنا و علاقتنا بـ اللامرئي : جوهر الخلق الأساسي، الروحانيات و المعتقدات كانت كل هذه الأمور بالنسبة لي هي القوة الرافعة و بالأخص في السنوات الأخيرة التي شهدت مستويات لا يمكن تصورها من الإبادة و العنف التي ارتكبت باسم الحرية و الديمقراطية و باسم الدين. انهيار هذه العلاقات هو الذي يشغلني و هو ما أجده سببا جوهريا في الفوضى العامة و المعاناة... فقدان حياة العديد من الناس الأبرياء لحياتهم، و الضحايا هم، كما هو الحال دائما : الجمال و البراءة.
ضمن و ضع عالمنا الحالي و ما سمي بالنظام العالمي الجديد، وبين انغماري بالإنجاز الإبداعي، أجدني أسأل نفسي غالبا فيما إذا كان انشغالي بالمنجز الإبداعي ينطوي على ما يستحق الاهتمام ? و فيما إذا كان ثمة ضرورة له ? و هل سيوليه أحد ضمن الظرف هذا أي اهتمام ? و ما هو موقع الفن في عالم يسوده العنف و الدمار و اليأس ?... مرة إثر أخرى أجد الجواب عميقا في نفسي : إذا كان ثمة فرصة للأمل.... إذا كانت ثمة فرصة للإنسانية فإنها ستكون بأيدي الفنانين. و كما كتب جورج برناردشو : ) يستعمل المرء المرآة لرؤية وجهه، و يستخدم الفن لرؤية الروح).
و من المهمات التي وضعتها على عاتقي هو : جمع الطاقات الإبداعية المتناثرة لفناني وادي الرافدين و إبرازها على نطاق عالمي، لقد جعلت من متابعة هذا الأمر واحدا من مهماتي بموازاة التزاماتي الأخرى. برغبة صميمية ولد مشروع )لمسات من العبقرية : الفن العراقي المعاصر) . و على مدى ست سنوات استطعنا أن نحقق اختراقا مهما للصعوبات التي واجهتنا بإقامة هذا المعرض غير المسبوق و الذي جال المملكة المتحدة و الولايات المتحدة الأميركية في بحر ثلاث سنوات. قدم هذا المعرض المتجول عرضا مميزا لثلاثة و ثلاثين فنانا عراقيا من كل أنحاء العالم و من ضمنهم فنانون كانوا لا يزالون حينها في العراق . و بالترافق مع ذلك تمكنا من طباعة و نشر الكتاب المعنون : ) لمسات من العبقرية : الفن العراقي المعاصر) و تم إرساء و إطلاق موقع ثابت على الانترنت هو الأول من نوعه و المسمى (incia.co.uk) ، والمتضمن معطيات واسعة عن الفنانين العراقيين المنتشرين في أرجاء كوكبنا في الماضي والحاضر. و قد واصلت هذه المجهودات من خلال قاعة آية للفنون التشكيلية (ayagallery.co.uk.) التي قمت بتأسيسها في لندن في العام 2002. و حين بدأت نذر الحرب تلوح في الأفق جرى افتتاح المعرض المسمى : ) فن عراقي , روح عراقية ) و الذي جسد مجموعة نادرة من أعمال الفنانين العراقيين من جيل الرواد ، أعقبته معارض أخرى لأعمالي و أعمال فنانين آخرين. إجمالا فإن هذه التجربة المليئة بالتحدي و الحيوية و المتعة قد أصبحت بالنسبة إلي مصدرا حقيقيا للمزيد من التفهم و الوضوح.
أنا انظر إلى فني كما لو كان رحلة فيها سرد لحكاية لا تزال مستمرة في النمو و التطور. تماما كما كانت عليه الحال حين كنت طفلة، هذا الفن ما فتئ يساعدني في مواجهة التحديات و المتطلبات في هذه الرحلة القصيرة التي نسميها : الحياة، بواسطته أحاول أن أضفي مغزىً على وجودي و مكاني في الحياة، آملة به و بواسطته أن أحقق تميزا مهما كانت درجته و مهما بدا صغيرا. أنا مؤمنة بأن قطرات المطر هي التي تكوّن الأنهارَ متدفقة المياه... سأكون سعيدة بأن أكون قطرة مطر... بها و عندها سيكون وجودي مبررا.............
منقوووووووووووووووووول
واسعة من تاريخ التشكيل العراقي
.
http://www.iraqiyat.org/new/images/stories/2911634_ar28.jpg
هذا كله بالرغم من أن الفنانة التي ولدت في منتصف الخمسينات خارج العراق، وقضت حوالي الثلثين من عمرها خارجه ، ولكن فان السنوات الحاسمة، سنوات التكوين و التشكل من سني حياتها كانت في العراق. بدعوة من المتحف البريطاني قامت الفنانة فرج في الأول من شهر تموز من العام الماضي بتقديم يتضمن عرضا لجوانب من الفن التشكيلي العراقي و الظروف المأسوية التي وجد العراق نفسه فيها لفترات طويلة من حياته بسبب الحروب و ازدراء الإنسان و حقوقه و تأثير و انعكاس كل هذا على فنها و على فن الفنانين العراقيين الآخرين. و هنا بعض ما جاء في ترجمة لهذا التقديم عن الإنكليزية بالنظر لأهميته:
بقلم ميسلون فرج
بقدر ما أستطيع أن أعود فيها بالذاكرة، أجد إنني كنت مفتونة بصنع الأشياء، فبواسطة تجميع قطع من ورق تغليف الحلوى أو أغطية القناني لصناعة تصاميم لثريات، أو أنسجة الخياطة العائدة لوالدتي كنت أصنع تصاميم لملابس الدمى. كما بواسطة اللدائن الملونة، الأقلام الملونة و الأصباغ كنت ارسم العديد من الأعمال زاهية الألوان، كل ذلك كان، كما وجدته، يحمل سحرا بمعنى الكلمة.
ولدت في الولايات المتحدة الأميركية في منتصف الخمسينات و عشت هناك حتى سن الثالثة عشرة قبل أن أعود مع عائلتي إلى العراق. خلال سنوات التكوين تلك كانت عائلتي تتنقل بين مختلف الولايات الأميركية للعمل أو الدراسة. عدم الاستقرار هذا منعني من تكوين اية صداقات. كان الفن هو الذي ساعدني على التغلب على هذه الصعوبة. بدأ ميلي الإبداعي بجذب انتباه أولئك المحيطين بي من معلمين و تلاميذ و بالطبع أيضا أمي و أبي، اللذين شجعاني و سانداني منذ البداية. الأمر الذي جعلني أشعر بخصوصية و أصبح الفن بذلك من البداهة و الضرورة بالنسبة لي كما التنفس. منذ ذلك الحين كان برفقتي دائما القلم و مجموعة أوراق حيثما ذهبت، بل و حتى إلى أعياد الميلاد أو مجالس العزاء.
إلى أن حبي و حاجتي إلى الفن تعززت أكثر بعودتنا إلى بغداد. بفضل والدتي استطعت أن افهم اللغة العربية و أتكلمها إلى حد مقبول. و لكن ترتب علي أن أتعلمها بشكل أكثر إتقانا ما ألزمني أن ابذل مجهودا أكبر في المدرسة الإعدادية. ففي درس النصوص الأدبية الذي تدرس فيه مادة الأدب العربي وجدت أن هذه المادة تنطوي على صعوبات جمة، ليس لأن علينا كدارسات أن نفهم و نحلل أشعارا بالغة التطور و التعقيد و لكن كان علينا أيضا أن نحفظها عن ظهر قلب ! كان الأمر طبيعيا، بل أستطيع القول، انه كان سهلا بالنسبة لأغلب زميلاتي، أما بالنسبة لي فقد كان أقرب إلى المستحيل لولا الفن. فعن طريقه قمت بتحويل القصائد إلى لغة بصرية، ذلك بواسطة رسوم توضيحية سردية على امتداد هوامش كتبي. الصور التوضيحية هي ما أراجعه، و ليس القصيدة نفسها، حين يكون لزاما على أن ألقي أبياتا من قصيدة ما أمام الصف و هذا من متطلبات الدرس. قمت بالممارسة نفسها مع الدروس الأخرى، عدا درس اللغة الإنكليزية بالطبع ! و لم أكن لأضيع بوصة واحدة من الهوامش الفارغة فقد كانت كتبي مغطاة من أولها إلى آخرها برسوم ) ذات الدلالات ). بهذه الطريقة تعلمت العربية سريعا ووفقت في دارستي. على إنني لم أقيّم هذه التجربة و ما مررت به، على أية حال، إلا فيما بعد، ولو لم نكن ملزمين بحفظ الشعر و تذكره بتلك الطريقة، لكنت بقيت حتى اليوم غير حافظة للعديد من القصائد و عندها كم ستكون الخسارة كبيرة.
اللغة العربية بكل غناها : عباراتها المكتوبة، موسيقاها، عمقها الثقافي معتقداتها ناسها، كل هذه المكونات وجدت طريقها عميقا إلى قلبي و لعبت و تلعب دورا أساسيا في منجزي الإبداعي. فالشعراء العراقيون : محمد مهدي الجواهري، مظفر النواب، بدر شاكر السياب، نازك الملائكة، و كذلك الشعراء العرب مثل : نزار قباني، جبران خليل جبران، محمود درويش، و مؤخرا غسان مطر لا يزالون يلهمونني. فالمجموعة الشعرية المؤثرة لغسان مطر: ) بكاء فوق دم النخيل ) التي كتبها في العام 2003 عشية الحرب على العراق، أجد أن صورها الشعرية تحمل شبها كبيرا للوحاتي الموسومة ) النخيل الباكي طفولة مسروقة ) و هي أعمال كنت قد بدأت بإنجازها في السنة نفسها. `
بالرغم من أنني ولدت و ترعرعت في الولايات المتحدة الأميركية فإن سنوات نضجي و سنوات التكوين كانت بشكل حاسم في العراق. فهناك أنهيت دراستي الإعدادية و كونت صداقات لا تنسى، تزوجت من شريك حياتي، حصلت على بكالوريوس العلوم في مجال الهندسة المعمارية و تابعت تأسيس حياتي المهنية في مجال الفن فيما بعد. جذبت اهتمامي أعمالُ الفنانين العراقيين و خصوصا فناني الستينات و السبعينات، و كنت في تلك الفترة قد تعرفت على أعمال الفنانين صالح الجميعي، ضياء العزاوي، راكان دبدوب رافع الناصري، إسماعيل فتاح و آخرين مهمين من خلال زوجي المعماري علي الموسوي الذي ضمّن أعمالهم في التصاميم و المنجزات المعمارية التي أقامها. كما إنني درست تحت إشراف فنانين برزوا في العقود السابقة لهذه الحقبة أخص بالذكر نزيهة سليم أخت الفنانين العراقيين البارزين جواد و نزار سليم. كما تعلمت على يد الفنان فرج عبو خلال دراستي في قسم الهندسة المعمارية. و على الإجمال فقد كان لمثل هذا الجو تأثيرٌ مكثف على أعمالي، به تعزز و لعي و تعلقي بالفن العراقي بشكل عام.
كانت سنوات العقد الثاني من عمري سنوات تحول بالنسبة لي إذ تعرضت أختي إلى حادث مصيري. والدي، رحمه الله، تعرض لأزمة قلبية، وشُخّص لدى والدتي مرض ) الباركنسون ) وفقدت طفلي الأول بعد ستة شهور من الحمل، فجأة تغير العالم من حولي و تغير فهمي له بسرعة. بذا تكون لدي نضج أكبر لتقييم الأمور.
توّج كل هذا بالحرب التي دامت ثماني سنوات مع إيران. في العام 1982 انتقلت للعيش في لندن مع زوجي. و بهذا أصبحت لندن وطني المتبنى، فهنا رزقت بأولادي الثلاثة، و هنا أصبح بمقدوري أن أطور مهاراتي في مجال الرسم و السيراميك. بتركي العراق، البلد الذي تغلغلت جذوري عميقا في تربته، وجدت إنني قد تركت خلفي أناسا أحببتهم من قلبي، و وجدت أن الإنسان و الإنسانية هو ما يثير اهتمامي، وكامرأة عربية مسلمة بتربية شرقية ـ غربية أدركت أن المتضادات و الصدامات و الحروب و فقدان العدالة و حقوق الإنسان و أخطاء الجنس البشري.. و الجمال المفقود هي التي طبعت الكثير من أعمالي.
(العلاقات) هي التي تكمن في جوهر أعمالي و منه تستمد مضمونها ، العلاقات التي تربطنا ببعضنا البعض كبشر : الرجل بأخيه الرجل، الرجل و المرأة، الوالدان بالأبناء، نحن بالآخرين، العلاقات التي تربطنا بالطبيعة، الأرض، الوطن، بالأنهار : **** و الفرات، الأشجار، النخلة العراقية. علاقتنا بالماضي، التاريخ و الحاضر و المستقبل. علاقاتنا بالكون المحيط بنا : الشمس و القمر و النجوم و السماوات.
علاقاتنا مع أنفسنا مع أطفالنا مع لغتنا، مع ثقافتنا و موروثنا، معتقداتنا و ناسنا و علاقتنا بـ اللامرئي : جوهر الخلق الأساسي، الروحانيات و المعتقدات كانت كل هذه الأمور بالنسبة لي هي القوة الرافعة و بالأخص في السنوات الأخيرة التي شهدت مستويات لا يمكن تصورها من الإبادة و العنف التي ارتكبت باسم الحرية و الديمقراطية و باسم الدين. انهيار هذه العلاقات هو الذي يشغلني و هو ما أجده سببا جوهريا في الفوضى العامة و المعاناة... فقدان حياة العديد من الناس الأبرياء لحياتهم، و الضحايا هم، كما هو الحال دائما : الجمال و البراءة.
ضمن و ضع عالمنا الحالي و ما سمي بالنظام العالمي الجديد، وبين انغماري بالإنجاز الإبداعي، أجدني أسأل نفسي غالبا فيما إذا كان انشغالي بالمنجز الإبداعي ينطوي على ما يستحق الاهتمام ? و فيما إذا كان ثمة ضرورة له ? و هل سيوليه أحد ضمن الظرف هذا أي اهتمام ? و ما هو موقع الفن في عالم يسوده العنف و الدمار و اليأس ?... مرة إثر أخرى أجد الجواب عميقا في نفسي : إذا كان ثمة فرصة للأمل.... إذا كانت ثمة فرصة للإنسانية فإنها ستكون بأيدي الفنانين. و كما كتب جورج برناردشو : ) يستعمل المرء المرآة لرؤية وجهه، و يستخدم الفن لرؤية الروح).
و من المهمات التي وضعتها على عاتقي هو : جمع الطاقات الإبداعية المتناثرة لفناني وادي الرافدين و إبرازها على نطاق عالمي، لقد جعلت من متابعة هذا الأمر واحدا من مهماتي بموازاة التزاماتي الأخرى. برغبة صميمية ولد مشروع )لمسات من العبقرية : الفن العراقي المعاصر) . و على مدى ست سنوات استطعنا أن نحقق اختراقا مهما للصعوبات التي واجهتنا بإقامة هذا المعرض غير المسبوق و الذي جال المملكة المتحدة و الولايات المتحدة الأميركية في بحر ثلاث سنوات. قدم هذا المعرض المتجول عرضا مميزا لثلاثة و ثلاثين فنانا عراقيا من كل أنحاء العالم و من ضمنهم فنانون كانوا لا يزالون حينها في العراق . و بالترافق مع ذلك تمكنا من طباعة و نشر الكتاب المعنون : ) لمسات من العبقرية : الفن العراقي المعاصر) و تم إرساء و إطلاق موقع ثابت على الانترنت هو الأول من نوعه و المسمى (incia.co.uk) ، والمتضمن معطيات واسعة عن الفنانين العراقيين المنتشرين في أرجاء كوكبنا في الماضي والحاضر. و قد واصلت هذه المجهودات من خلال قاعة آية للفنون التشكيلية (ayagallery.co.uk.) التي قمت بتأسيسها في لندن في العام 2002. و حين بدأت نذر الحرب تلوح في الأفق جرى افتتاح المعرض المسمى : ) فن عراقي , روح عراقية ) و الذي جسد مجموعة نادرة من أعمال الفنانين العراقيين من جيل الرواد ، أعقبته معارض أخرى لأعمالي و أعمال فنانين آخرين. إجمالا فإن هذه التجربة المليئة بالتحدي و الحيوية و المتعة قد أصبحت بالنسبة إلي مصدرا حقيقيا للمزيد من التفهم و الوضوح.
أنا انظر إلى فني كما لو كان رحلة فيها سرد لحكاية لا تزال مستمرة في النمو و التطور. تماما كما كانت عليه الحال حين كنت طفلة، هذا الفن ما فتئ يساعدني في مواجهة التحديات و المتطلبات في هذه الرحلة القصيرة التي نسميها : الحياة، بواسطته أحاول أن أضفي مغزىً على وجودي و مكاني في الحياة، آملة به و بواسطته أن أحقق تميزا مهما كانت درجته و مهما بدا صغيرا. أنا مؤمنة بأن قطرات المطر هي التي تكوّن الأنهارَ متدفقة المياه... سأكون سعيدة بأن أكون قطرة مطر... بها و عندها سيكون وجودي مبررا.............
منقوووووووووووووووووول