ورد الجوري
18-09-2008, 01:33 AM
هو علي بن حسين بن عبد الجليل الوردي. ولد في بغداد، حي الكاظمية شمال بغداد (1913-1995). من عائلة متوسطة المستوى المعيشي واحتوت على من أهتم بالعلم والأدب وكان والده عطارا. ولقب بالوردي نسبة إلى حرفة جده الأكبر الذي كان يعمل في تقطير ماء الورد.عمل ابوه عطارا في الكاظمية، وقد شارك الوردي اباه في عمله هذا حينما ترك الدراسة التقليدية (الكتاتيب) التي كان قد التحق بها كعادة معظم ابناء جيل تلك المرحلة ولقلة المدارس النظامية. و كان العراق وقتها جزءا من السلطنة العثمانية. وبعد دخول القوات البريطانية إبان الحرب العالمية الاولى (1914-1918)، عاد الوردي الى الدراسة ولكن هذه المرة من بابها الواسع، حيث دخل مدرسة نظامية وهجر دراسة الكتاتيب. ويجد الوردي في انهيار حكم الدولة العثمانية في العراق والمنطقة أفقا وفتحا جديدا أدخل معه الكثير من سمات الحضارة الى العراق ومنها انتشار التعليم الحديث،
والذي لولاه لكان الوردي عطارا مثل ابيه كما ذكر ذلك في أكثر من مناسبة. ويتذكر الوردي جيدا ما قاله له والده يوما : " يا ابني المدرسة لا تطعمنا خبزا"! ثم عمل صانعا عند عطار المحلة لمدة سنتين, ولكنه طرد من عمله لأنه كان يهتم بقراءة الكتب والمجلات ويترك الزبائن, ثم عاد إلى المدرسة وأكمل وأصبح معلما في إحدى مدارس الكاظمية لمدة سنتين بعد تخرجه من الدراسة الاعدادية، ثم سافر بعدها ليدرس في الجامعة الاميركية في بيروت، ثم جامعة تكساس في اميركا حيث نال شهادة الماجستير في عام 1947 في علم الاجتماع، ثم تحصل في عام 1950 على الدكتوراه بدرجة إمتياز من نفس الجامعة مما نال تكريم حاكم الولاية له في حينها.عاد الى العراق بعد التخرج وعمل بقسم علم الاجتماع في جامعة بغداد وكان من رواد القسم ورواد علم الاجتماع في العراق. تدرج في وظيفة التدريس حتى منح لقب "استاذ متمرس" في جامعة بغداد وهو لقب يمنح للمتفردين في تخصصاتهم وطول باعهم. تقاعد عن التدريس عام 1972، وهو في اوج عطائه العلمي، وتفرغ للتاليف والقاء المحاضرات في بعض المؤسسات العلمية ومنها معهد البحوث والدراسات العربية الذي كان مقره بغداد.
كانت معظم طروحات الوردي التي ملأت كتبه والتي يلقيها في محاضراته تزعج السلطة الحاكمة ، الامر الذي دعا بها الى التضييق عليه تدريجيا ،ابتداءا من سحب لقب استاذ متمرس ، ووصولا الى سحب معظم كتبه من المكتبات وحظرها بداعي ما اسموه "السلامة الفكرية" ،ومرورا بمحاولات تهميشه وافقاره ماديا وهو ما آل اليه حاله. حيث مات منسيا في شهر تموز عام 1995، بسبب المرض رغم العلاج الذي تلقاه في المستشفيات الاردنية. وقد اقيم له تشييع محتشم غاب عنه المسؤولون وجازف من حضر من المشيعين.
استفاد الوردي من طروحات ابن خلدون كثيرا واعتبره منظراً حقيقياً ودارساً متمعناً للمجتمع العربي في تلك الفترة، وكان ابن خلدون موضوع اطروحته للدكتوراه.و كان الوردي أول من دعا الى "علم اجتماع عربي" يدرس المجتمع العربي في ضوء خصوصياته الجغرا- ثقافية، انطلاقا من طروحات ابن خلدون. وركز الوردي على عامل البداوة وقيمها وأثرها في تكوين الشخصية العربية. واهم طروحاته كانت :
- الازدواجية الشخصية للفرد العراقي والتي عممها على الفرد العربي.
- التناشز الاجتماعي وهي تحوير لإطروحة وليم اوغبرن "الفجوة الثقافية".
- الدعوة لقيام علم اجتماع عربي المشار اليها اعلاه.
- نبذه للمنطق الارسطي التقليدي الشائع.
- نقده اللاذع للأسلوب الوعظي الذي يتبعه رجال الدين والساسة والذي يتخذه بعض الكتاب.
- كما حمل بشدة في معظم طروحاته على أسلوب الخطابة والحماسة الكلاسيكي الذي مجد الذات وأعلى شانها دون النظر الى سلبياتها وهوانها وهو ما درجت عليه النخب وأنتشرت حتى لدى المثقفين.
ترجمت بعض اعماله الى عدد من اللغات منها الانكليزية والفارسية والتركية والالمانية.واهم أعماله:
- خوارق اللاشعور أو أسرار الشخصية الناجحة 1952.
- وعاظ السلاطين 1954.
- مهزلة العقل البشري 1955.
- أسطورة الأدب الرفيع 1957.
- الأحلام بين العقيدة والعلم 1959.
- منطق ابن خلدون في ضوء حضارته وشخصيته 1962.
- دراسة في طبيعة المجتمع العراقي 1965.
- هكذا قتلوا قرة العين.
- لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ستة اجزاء في 12 كتابا.1969-1979
- الطبيعة البشرية
- شخصية الفرد العراقي:بحث في نفسية الشعب العراقي على ضوء علم الاجتماع الحديث.
للكتابة عن علي الوردي مذاق خاص، فهي كتابة عن المجتمع وعن الشخص في آن . ولد الوردي عشية تأسيس الدولة الحديثة، ورحل عشية أفول الجمهورية الرابعة. وتاريخه الشخصي هو، بمعنى من المعاني، تاريخ العراق الحديث. اما استجاباته الفكرية فهي جزء جوهري من تحولات هذه الحقبة.
والبحث في كتابات الوردي (من وعاظ السلاطين – 1954 – الى لمحات اجتماعية – الجزء السادس 1976) يشكل رحلة فكرية متشعبة. فهذا البحث هو تأمل في علم الاجتماع (او بعض اوجهه)، وهو ايضا تأمل في تاملات الوردي في هذا العلم، تواشجا او تنافرا. وأجد في سيرة الوردي الفكرية منابع شتى حافزة على التفكر، اجتزئ منها، لاغراض تركيز البحث ليس الا، العلاقة بين عالم الاجتماع (السوسيولوجي) وعلم الاجتماع (السوسيولوجيا)،
وبتحديد ادق نظريات ومناهج علم الاجتماع. اما نظرية الوردي، خلدونية الأرومة، فستندرج هنا كعنصر ثانوي رغم موقعها المركزي في افكاره ونتاجاته. وسبب هذا الاجراء انني كتبت عن ذلك مبحثا وجيزا مستقلا يقوم على التحليل المقارن بين الوردي وابن خلدون
المبحث الحالي اذن يتركز في الجانب النظري، وهو مسعى لتحليل المصادر النظرية لمنهجية الوردي، التي أراها خلائط من نقائض ذات ثراء خاص، تعتمد مزيجا نظريا انتقائيا هو الآخر.
وتحسبا لأي لبس او ابهام، اقول ان نقائض الفكرة، فهما وتطبيقا، هي دليل عافية فكرية بنظري، كما ان المزيج الانتقائي هو برهان حيوية خاصة، لانه ما من نظرية واحدة تلم بكل جوانب واقع مركب.
اما الباحث عن فكر بلا نقائض، ومناهج بلا تلاقح، فلن يجد مسرته إلا في مقابر التاريخ، حيث السكون المطبق. ما هي النقائض في منهجية الوردي، وما هو الخلائط الانتقائية، التي يعتمدها؟ الأجابة عن هذين السؤالين تدوران في النقاط الآتية:
اولا – ان مجرد اشتغال الوردي بعلم الاجتماع يبدو، كنقطة انطلاق، في تضاد صارخ مع البيئة الاجتماعية التي ينشط فيها.
واذا صدقنا قولة اوغست كونت (1789 – 1857) من ان علم الاجتماع، هدا الفرع المعرفي الجديد، الذي اسهم هو في تأسيسه، لم يظهر الا بعد انتقال البشرية من المرحلة اللاهوتية، الى الميتافيزيقية، ليصل اخيرا الى المرحلة الوضعية (مرحلة الدراسة العلمية المجردة للوقائع المتاحة امام الحس)، اي فلسفة العصر الصناعي، عصر المدن الكبرى، والعلوم الحديثة، والدول المركزية قومية الطابع، فان ظهور علي الوردي نفسه كعالم اجتماع، في عراق اربعينيات القرن المنصرم، في رقعة متأخرة تعيش في عالم ما قبل – وضعي، يشكل تناقضا في التعريف، او استثناء خارقا ان جاز القول.
ثانيا – اعتمادا على ما تقدم، ولد الوردي في عصر انتقالي، يتفكك فيه المجتمع الزراعي المتجزئ قبائل وطوائف، منتقلا الى مجتمع حديث يندمج في أمة ودولة، رغم ان هذه العملية تبدو، من منظار الجمهورية الخامسة، وكأنها تبدأ من جديد.
وولد الوردي ايضا في حقبة تفكك المراتب القديمة من حرف وصنايع، وسادة واشراف ومشايخ، وبروز الطبقات الحديثة.
هدا الوضع الانتقالي اورثه حساسية مرهفة لادراك ديناميكيات التغيير، رغم وجود ميل معاكس عنده (لا شعوري، او مجتمعي ان استعرنا لغته) الى القبول بالسكون او الثبات المجتمعي (القول بوجود "طبيعة" ثابتة للمجتمع العراقي، او "طبيعة" بشرية... الخ).
ثالثا – لما كان الوردي يشخص في المجتمع العراقي ثلاث مشكلات اساسية (صراع البداوة والحضارة،. التناشز الاجتماعي بين الاثنين، تفتت الوعي الجمعي وانغلاقه) فانه يعتمد في معالجته هذه الاوجه على ما يلي:
أ – نظرية ابن خلدون، مفسرة على اساس المنهج التجريبي – الوضعي (بيكون – كونت).
ب – المدرسة السوسيولودية الاميركية، (جورج هربرت ميد – 1863 – 1931) مؤسس مدرسة "التفاعل الرمزي" Symbolic Interaction في الجماعات الصغيرة .
ج – المدرسة التاريخية الالمانية (كارل مانهايم وفرديناند كون).
هناك عناصر اخرى مستمدة من علم النفس الاجتماعي في جناحه الاميركي.
رابعا – رغم تكرار الوردي بأنه يعتمد ابن خلدون فان قراءته لهذا الاخير تعيد بناء النظرية
الخلدونية بل تقلبها رأسا على عقب. فصراع البداوة والحضارة الخلدوني يقوم بين نمطين متضادين (ومتفاعلين) من التنظيم الاجتماعي (المدن والبوادي)، اما عند الوردي فهو ازدواج قيمي داخل المدينة، اولا، وضمن الدولة الحديثة ثانيا. وهو، عند الوردي، نتاج صراع الحضارة العراقية مع محيطها البدوي (الجزيرة العربية)، اولا، ثم هو، صراع بين العراق والحضارة الغربية الوافدة ثانيا، إثر غزو العراق في الحرب العالمية الاولى. لكن الاهم في عملية قلب ابن خلدون رأسا على عقب (وهو قلب ضروري) ان "منطق" ابن خلدون، كما يرى الوردي، ينفصل عن المنطق الارسطي، الميتافيزيقي، اي القائل بوجود جواهر ثابتة، وكليات عقلية مسبقة. والوردي هنا يقرأ ابن خلدون او يعيد قراءته انطلاقا من المنهج التجريبي (فرانسيس بيكون) والمنهج الوضعي (اوغست كونت) الذي يشكل، من نواح معينة، امتدادا للتجريبية. هذا المزيج الانتقائي، فريد، املته ضروراته الموضوع المدروس.
خامسا – يرى الوردي في علم الاجتماع منهجا لدراسي "الثقافة الاجتماعية" Culture محللا اوجه الثقافة الروحية والمادية (القيم ونمط العيش)، معتمدا على مؤسس علم الاجتماع الاميركي (جورج ميد)، ومتجاوزا اياه في آن، بخروجه على حدود الثقافة الروحية (التفاعل الرمزي) الى رحاب الثقافة المادية ايضا. وهو في هذا يقترب من ماكس فيبر (1864 – 1920).وان علاقته بعلم الاجتماع الاميركي الذي تأسس متأخرا عن نظيره الاوربي بنحو سبعة عقود، اورثته نزعة وصفية للاحداث والوقائع، تنسجم ونفور المدارس الاميركية في النصف الاول من القرن العشرين، من اية مراجع نظرية كبرى تحدد ماهية المجتمع وماهية علم الاجتماع (تغير هذا الحال في اميركا بعد هجرة الالمان هربا من النازية).
كما ان هذه العلاقة بعلم الاجتماع الاميركي افادته في ملاحظة الفوارق العميقة بين علم الاجتماع الاوربي الذي يضرب جذوره في منظومات فلسفية – لغوية معروفة (الوضعية، الماركسية، البنيوية)، وعلم الاجتماع الاميركي المتحرر نسبيا من هذه الجذور (حتى الفلسفة البراغماتية الاميركية تشبه علم اجتماعها).
سادسا – لكن هذه العلاقة الغنية والنقدية بعلم الاجتماع بجناحيه الاميركي – الاوربي دفعته الى الاعتقاد بوجود خصوصية لكل مجتمع تحتم انشاء علم اجتماع خاص بذلك المجتمع. هذا المنحى الى الخصوصية لم يكن فقط وليد "ضغط" منهجي بل ايضا ثمرة مؤثرات سياسية: صعود الناصرية بمنحاها العروبي، وصعود التيارات القومية العربية (البعث وغيره) الداعية الى انشاء علم اجتماع عربي، كان بحسب الوردي، وعظيا لا علميا.
لكن مبدأ الخصوصية الذي جاهر به الوردي (ولم يطبقه اصلا في كتاباته) وهم ايديولوجي. فلكل مجتمع خصوصيته، ولكل مجتمع عموميته. وما من مجتمع يشبه غيره بحذافيره، بل ما من مجتمع يشبه نفسه قبل قرن، او قرنين، إلا في حدود ضيقة، ثفافة قابلة للحذف.حقا لقد انحبست نظريات علم الاجتماع في اطر قومية (فرنسا، المانيا، انجلترا، اميركا) خلال جل القرن العشرين، لكنها سرعان ما انفتحت على بعضها البعض في اواخر القرن المنصرم لتولد خلائط خصبة في سياق من التحليل والتركيب.
سابعا – استمد الوردي من المدرسة الالمانية (كارل مانهايم) مفاهيم اساسية لتفسير تنوع انماط المعرفة حبيسة التنظيمات الاجتماعية، مثلما استمد من مانهايم قواعد نظرية لدراسة الدولة الحديثة. الأهم في ذلك هو اعتماد مبدأ النسبية المعرفية الذي يشكل اليوم اساس فكر ما بعد الحداثة. اما فرديناند تونيس فقد استمد الوردي منه (على نحو غير مباشر – اعتمادا على ماكايفر صاحب مفهوم التناشز الثقافي والتصادم الثقافي) افكار التمايز والتضاد بين المجتمع التقليدي والمجتمع الحديث (الصناعي). الاول، حسب تونيس، منظم في جماعات، والثاني منظم في مجتمع كبير. في الاول ثمة علائق حسية مباشرة، واحساس بالمكان (الجغرافي والاجتماعي)، والانتماء، واعتماد تقاليد ثابتة، تسيطر فيها العائلة والكنيسة (الدين). اما في الثاني فتسود العلائق اللاشخصية، والمصالح الاقتصادية، والتنافس على الموارد، في حراك متصل، متغير يربأ بالثبات. لكن الوردي حبس التضاد بين الحداثة والتقليد في قفص البداوة والحضارة الخلدونية، علما ان حضارة ابن خلدون شأن بداوته تنتمي الى العالم ما قبل الحديث.
ثامنا – اخيرا ابتدع الوردي في هذه الرحلة طريقا ثالثا للخروج من اسار الفكر القومي المتزمت، او قواعد الفكر اليساري في صيغته المتحجرة. ولم يكن من باب المصادفة ان يدعو الى مجتمع يعتمد الليبرالية السياسية.
كان يحرص على تفرده في مجتمع يبغض الفردية، وينفتح على كل النظريات في مجتمع يحول النظرية الى معتقد ديني، ويمضي في البحث وسط مؤسسات علمية خاضعة لجبروت الدولة، ومجردة من حرية التفكير والبحث الطليق.
هذا وحده اعجاز!
ولد علي الوردي في الكاظمية عام 1913 ونشأ وترعرع فيها وكان مولعا منذ صباه بقراءة الكتب والمجلات وقد اضطر الى ترك المدرسة ليعمل في دكان والده، ثم للعمل صانعا عند عطار المحلة، ولكنه طرد من العمل لانه كان ينشغل بقراءة الكتب والمجلات ويترك الزبائن. ثم عاد الى المدرسة واكمل دراسته واصبح معلما. كما غير زيه التقليدي عام 1932 واصبح افنديا .وفي عام 1943 ارسلته الحكومة العراقية الى بيروت للدراسة في الجامعة الامريكية، كما حصل على شهادة الماجستير وكذلك الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة تكساس الاميركية .وبعد عودته الى العراق عمل في قسم الاجتماع في جامعة بغداد حتى تقاعده عام 1970. وتوفى في بغداد في 13 تموز عام 1995. كتب الوردي ثمانية عشر كتابا ومئات البحوث والمقالات. خمسة كتب منها قبل ثورة 14 تموز اي في العهد الملكي1958 وكانت ذات اسلوب ادبي -نقدي ومضامين تنويرية جديدة وساخرة لم يألفها القارىء العراقي
اما الكتب التي صدرت بعد ثورة 14 تموز فقد اتسمت بطابع علمي ومثلت مشروع الوردي لوضع نظرية اجتماعية حول طبيعة المجتمع العراقي وفي مقدمتها دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ومنطق ابن خلدون ولمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث في ثمانية اجزاء. .فهو كتب جميع كتبه في وقت سيطرة الفكر اليساري على المجتمع العراقي مع بروز الفكر القومي والديني وقد حافظ في جميع كتبه على مسافة واحدة من جميع الافكار السياسية والايديولوجيات وهو في جميع ماالف وكتب لم يتملق ولم يداهن وكان وفيا للمنهج الذي اختطه لنفسه. ابتدء في دراسة طبيعة المجتمع العراقي حسب نظرية استقاها كما يقول تللاميذه الحيدري من ثلاث مصادر الاولى بعالم الاجتماع الامريكي مكيفر، والثانية بالعالم العربي المشهور " ابن خلدون" والثالثة بعالم الاجتماع الامريكي اوجبرن.
منطلقا من قيم الحضارة والبداوة في المجتمع العراقي تلك القيم التي اثرت كثيرا في شخصية الفرد العراقي وطبعته بازدواج الشخصية فتارة يكرم الضيف واخرى ينهب وتارة يدعو الى الخير واخرى يقتل ويسرق . امثلة بسيطة وشعبية ليعزز منهجه التاريخي في البحث وحينما عاب عليه البعض خلو كتبه من الاحصاء حسب الطريقة الامريكية التي درس وتتلمذ في جامعاتها ردهم قائلا ان المجتمع العراقي غير المجتمع الامريكي فما زال الخوف قائما من الافندي الذي يحمل قلما ودفترا وتساءل كيف اوجه سؤال لمجتمع تنخر الامية والتقاليد البالية فيه لذلك اثر اتخاذ المنهج الجديد الذي انفرد به .
ولم يكن الوردي في دراسته عن المجتمع العراقي سوى باحث عن القوانين التي صيرت المجتمع العراقي مختلفا عن باقي المجتمعات العربية والمجاورة له كان يبحث كثيرا عن اسباب الجدل العراقي حتى لقب العراق ببلد الشقاق والنفاق بالرغم من انها صفات غير اصيلة في المجتمع العراقي ومن العوامل المهمة لهذا الصراع ميل اهل العراق الى "الجدل"، الذي طبع التراث الفكري في العراق "بطابع مثالي" بعيدا عن الواقع الملموس فعلا، ولهذا ظهرت هوة بين التفكير وبين الممارسة العملية.
ادرك الوردي ان المجتمع العراقي يحتاج الى تفاهمات بين الاثنيات المختلفة للحكم وان الطريق الوحيد لبناء مجتمع جديد هو الديمقراطية التي يعدها الوردي العلاج الوحيد لمشاكل العراق.
ملحق عراقيون التي تصدره المدى اولى اعداده يسعى لان يسلط الضوء على شخصيات عراقية ساهمت في بناء ثقافة وحضارة هذه البلد.. ولعل علي الوردي واحدا من ابرز هذه الشخصيات.
والذي لولاه لكان الوردي عطارا مثل ابيه كما ذكر ذلك في أكثر من مناسبة. ويتذكر الوردي جيدا ما قاله له والده يوما : " يا ابني المدرسة لا تطعمنا خبزا"! ثم عمل صانعا عند عطار المحلة لمدة سنتين, ولكنه طرد من عمله لأنه كان يهتم بقراءة الكتب والمجلات ويترك الزبائن, ثم عاد إلى المدرسة وأكمل وأصبح معلما في إحدى مدارس الكاظمية لمدة سنتين بعد تخرجه من الدراسة الاعدادية، ثم سافر بعدها ليدرس في الجامعة الاميركية في بيروت، ثم جامعة تكساس في اميركا حيث نال شهادة الماجستير في عام 1947 في علم الاجتماع، ثم تحصل في عام 1950 على الدكتوراه بدرجة إمتياز من نفس الجامعة مما نال تكريم حاكم الولاية له في حينها.عاد الى العراق بعد التخرج وعمل بقسم علم الاجتماع في جامعة بغداد وكان من رواد القسم ورواد علم الاجتماع في العراق. تدرج في وظيفة التدريس حتى منح لقب "استاذ متمرس" في جامعة بغداد وهو لقب يمنح للمتفردين في تخصصاتهم وطول باعهم. تقاعد عن التدريس عام 1972، وهو في اوج عطائه العلمي، وتفرغ للتاليف والقاء المحاضرات في بعض المؤسسات العلمية ومنها معهد البحوث والدراسات العربية الذي كان مقره بغداد.
كانت معظم طروحات الوردي التي ملأت كتبه والتي يلقيها في محاضراته تزعج السلطة الحاكمة ، الامر الذي دعا بها الى التضييق عليه تدريجيا ،ابتداءا من سحب لقب استاذ متمرس ، ووصولا الى سحب معظم كتبه من المكتبات وحظرها بداعي ما اسموه "السلامة الفكرية" ،ومرورا بمحاولات تهميشه وافقاره ماديا وهو ما آل اليه حاله. حيث مات منسيا في شهر تموز عام 1995، بسبب المرض رغم العلاج الذي تلقاه في المستشفيات الاردنية. وقد اقيم له تشييع محتشم غاب عنه المسؤولون وجازف من حضر من المشيعين.
استفاد الوردي من طروحات ابن خلدون كثيرا واعتبره منظراً حقيقياً ودارساً متمعناً للمجتمع العربي في تلك الفترة، وكان ابن خلدون موضوع اطروحته للدكتوراه.و كان الوردي أول من دعا الى "علم اجتماع عربي" يدرس المجتمع العربي في ضوء خصوصياته الجغرا- ثقافية، انطلاقا من طروحات ابن خلدون. وركز الوردي على عامل البداوة وقيمها وأثرها في تكوين الشخصية العربية. واهم طروحاته كانت :
- الازدواجية الشخصية للفرد العراقي والتي عممها على الفرد العربي.
- التناشز الاجتماعي وهي تحوير لإطروحة وليم اوغبرن "الفجوة الثقافية".
- الدعوة لقيام علم اجتماع عربي المشار اليها اعلاه.
- نبذه للمنطق الارسطي التقليدي الشائع.
- نقده اللاذع للأسلوب الوعظي الذي يتبعه رجال الدين والساسة والذي يتخذه بعض الكتاب.
- كما حمل بشدة في معظم طروحاته على أسلوب الخطابة والحماسة الكلاسيكي الذي مجد الذات وأعلى شانها دون النظر الى سلبياتها وهوانها وهو ما درجت عليه النخب وأنتشرت حتى لدى المثقفين.
ترجمت بعض اعماله الى عدد من اللغات منها الانكليزية والفارسية والتركية والالمانية.واهم أعماله:
- خوارق اللاشعور أو أسرار الشخصية الناجحة 1952.
- وعاظ السلاطين 1954.
- مهزلة العقل البشري 1955.
- أسطورة الأدب الرفيع 1957.
- الأحلام بين العقيدة والعلم 1959.
- منطق ابن خلدون في ضوء حضارته وشخصيته 1962.
- دراسة في طبيعة المجتمع العراقي 1965.
- هكذا قتلوا قرة العين.
- لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ستة اجزاء في 12 كتابا.1969-1979
- الطبيعة البشرية
- شخصية الفرد العراقي:بحث في نفسية الشعب العراقي على ضوء علم الاجتماع الحديث.
للكتابة عن علي الوردي مذاق خاص، فهي كتابة عن المجتمع وعن الشخص في آن . ولد الوردي عشية تأسيس الدولة الحديثة، ورحل عشية أفول الجمهورية الرابعة. وتاريخه الشخصي هو، بمعنى من المعاني، تاريخ العراق الحديث. اما استجاباته الفكرية فهي جزء جوهري من تحولات هذه الحقبة.
والبحث في كتابات الوردي (من وعاظ السلاطين – 1954 – الى لمحات اجتماعية – الجزء السادس 1976) يشكل رحلة فكرية متشعبة. فهذا البحث هو تأمل في علم الاجتماع (او بعض اوجهه)، وهو ايضا تأمل في تاملات الوردي في هذا العلم، تواشجا او تنافرا. وأجد في سيرة الوردي الفكرية منابع شتى حافزة على التفكر، اجتزئ منها، لاغراض تركيز البحث ليس الا، العلاقة بين عالم الاجتماع (السوسيولوجي) وعلم الاجتماع (السوسيولوجيا)،
وبتحديد ادق نظريات ومناهج علم الاجتماع. اما نظرية الوردي، خلدونية الأرومة، فستندرج هنا كعنصر ثانوي رغم موقعها المركزي في افكاره ونتاجاته. وسبب هذا الاجراء انني كتبت عن ذلك مبحثا وجيزا مستقلا يقوم على التحليل المقارن بين الوردي وابن خلدون
المبحث الحالي اذن يتركز في الجانب النظري، وهو مسعى لتحليل المصادر النظرية لمنهجية الوردي، التي أراها خلائط من نقائض ذات ثراء خاص، تعتمد مزيجا نظريا انتقائيا هو الآخر.
وتحسبا لأي لبس او ابهام، اقول ان نقائض الفكرة، فهما وتطبيقا، هي دليل عافية فكرية بنظري، كما ان المزيج الانتقائي هو برهان حيوية خاصة، لانه ما من نظرية واحدة تلم بكل جوانب واقع مركب.
اما الباحث عن فكر بلا نقائض، ومناهج بلا تلاقح، فلن يجد مسرته إلا في مقابر التاريخ، حيث السكون المطبق. ما هي النقائض في منهجية الوردي، وما هو الخلائط الانتقائية، التي يعتمدها؟ الأجابة عن هذين السؤالين تدوران في النقاط الآتية:
اولا – ان مجرد اشتغال الوردي بعلم الاجتماع يبدو، كنقطة انطلاق، في تضاد صارخ مع البيئة الاجتماعية التي ينشط فيها.
واذا صدقنا قولة اوغست كونت (1789 – 1857) من ان علم الاجتماع، هدا الفرع المعرفي الجديد، الذي اسهم هو في تأسيسه، لم يظهر الا بعد انتقال البشرية من المرحلة اللاهوتية، الى الميتافيزيقية، ليصل اخيرا الى المرحلة الوضعية (مرحلة الدراسة العلمية المجردة للوقائع المتاحة امام الحس)، اي فلسفة العصر الصناعي، عصر المدن الكبرى، والعلوم الحديثة، والدول المركزية قومية الطابع، فان ظهور علي الوردي نفسه كعالم اجتماع، في عراق اربعينيات القرن المنصرم، في رقعة متأخرة تعيش في عالم ما قبل – وضعي، يشكل تناقضا في التعريف، او استثناء خارقا ان جاز القول.
ثانيا – اعتمادا على ما تقدم، ولد الوردي في عصر انتقالي، يتفكك فيه المجتمع الزراعي المتجزئ قبائل وطوائف، منتقلا الى مجتمع حديث يندمج في أمة ودولة، رغم ان هذه العملية تبدو، من منظار الجمهورية الخامسة، وكأنها تبدأ من جديد.
وولد الوردي ايضا في حقبة تفكك المراتب القديمة من حرف وصنايع، وسادة واشراف ومشايخ، وبروز الطبقات الحديثة.
هدا الوضع الانتقالي اورثه حساسية مرهفة لادراك ديناميكيات التغيير، رغم وجود ميل معاكس عنده (لا شعوري، او مجتمعي ان استعرنا لغته) الى القبول بالسكون او الثبات المجتمعي (القول بوجود "طبيعة" ثابتة للمجتمع العراقي، او "طبيعة" بشرية... الخ).
ثالثا – لما كان الوردي يشخص في المجتمع العراقي ثلاث مشكلات اساسية (صراع البداوة والحضارة،. التناشز الاجتماعي بين الاثنين، تفتت الوعي الجمعي وانغلاقه) فانه يعتمد في معالجته هذه الاوجه على ما يلي:
أ – نظرية ابن خلدون، مفسرة على اساس المنهج التجريبي – الوضعي (بيكون – كونت).
ب – المدرسة السوسيولودية الاميركية، (جورج هربرت ميد – 1863 – 1931) مؤسس مدرسة "التفاعل الرمزي" Symbolic Interaction في الجماعات الصغيرة .
ج – المدرسة التاريخية الالمانية (كارل مانهايم وفرديناند كون).
هناك عناصر اخرى مستمدة من علم النفس الاجتماعي في جناحه الاميركي.
رابعا – رغم تكرار الوردي بأنه يعتمد ابن خلدون فان قراءته لهذا الاخير تعيد بناء النظرية
الخلدونية بل تقلبها رأسا على عقب. فصراع البداوة والحضارة الخلدوني يقوم بين نمطين متضادين (ومتفاعلين) من التنظيم الاجتماعي (المدن والبوادي)، اما عند الوردي فهو ازدواج قيمي داخل المدينة، اولا، وضمن الدولة الحديثة ثانيا. وهو، عند الوردي، نتاج صراع الحضارة العراقية مع محيطها البدوي (الجزيرة العربية)، اولا، ثم هو، صراع بين العراق والحضارة الغربية الوافدة ثانيا، إثر غزو العراق في الحرب العالمية الاولى. لكن الاهم في عملية قلب ابن خلدون رأسا على عقب (وهو قلب ضروري) ان "منطق" ابن خلدون، كما يرى الوردي، ينفصل عن المنطق الارسطي، الميتافيزيقي، اي القائل بوجود جواهر ثابتة، وكليات عقلية مسبقة. والوردي هنا يقرأ ابن خلدون او يعيد قراءته انطلاقا من المنهج التجريبي (فرانسيس بيكون) والمنهج الوضعي (اوغست كونت) الذي يشكل، من نواح معينة، امتدادا للتجريبية. هذا المزيج الانتقائي، فريد، املته ضروراته الموضوع المدروس.
خامسا – يرى الوردي في علم الاجتماع منهجا لدراسي "الثقافة الاجتماعية" Culture محللا اوجه الثقافة الروحية والمادية (القيم ونمط العيش)، معتمدا على مؤسس علم الاجتماع الاميركي (جورج ميد)، ومتجاوزا اياه في آن، بخروجه على حدود الثقافة الروحية (التفاعل الرمزي) الى رحاب الثقافة المادية ايضا. وهو في هذا يقترب من ماكس فيبر (1864 – 1920).وان علاقته بعلم الاجتماع الاميركي الذي تأسس متأخرا عن نظيره الاوربي بنحو سبعة عقود، اورثته نزعة وصفية للاحداث والوقائع، تنسجم ونفور المدارس الاميركية في النصف الاول من القرن العشرين، من اية مراجع نظرية كبرى تحدد ماهية المجتمع وماهية علم الاجتماع (تغير هذا الحال في اميركا بعد هجرة الالمان هربا من النازية).
كما ان هذه العلاقة بعلم الاجتماع الاميركي افادته في ملاحظة الفوارق العميقة بين علم الاجتماع الاوربي الذي يضرب جذوره في منظومات فلسفية – لغوية معروفة (الوضعية، الماركسية، البنيوية)، وعلم الاجتماع الاميركي المتحرر نسبيا من هذه الجذور (حتى الفلسفة البراغماتية الاميركية تشبه علم اجتماعها).
سادسا – لكن هذه العلاقة الغنية والنقدية بعلم الاجتماع بجناحيه الاميركي – الاوربي دفعته الى الاعتقاد بوجود خصوصية لكل مجتمع تحتم انشاء علم اجتماع خاص بذلك المجتمع. هذا المنحى الى الخصوصية لم يكن فقط وليد "ضغط" منهجي بل ايضا ثمرة مؤثرات سياسية: صعود الناصرية بمنحاها العروبي، وصعود التيارات القومية العربية (البعث وغيره) الداعية الى انشاء علم اجتماع عربي، كان بحسب الوردي، وعظيا لا علميا.
لكن مبدأ الخصوصية الذي جاهر به الوردي (ولم يطبقه اصلا في كتاباته) وهم ايديولوجي. فلكل مجتمع خصوصيته، ولكل مجتمع عموميته. وما من مجتمع يشبه غيره بحذافيره، بل ما من مجتمع يشبه نفسه قبل قرن، او قرنين، إلا في حدود ضيقة، ثفافة قابلة للحذف.حقا لقد انحبست نظريات علم الاجتماع في اطر قومية (فرنسا، المانيا، انجلترا، اميركا) خلال جل القرن العشرين، لكنها سرعان ما انفتحت على بعضها البعض في اواخر القرن المنصرم لتولد خلائط خصبة في سياق من التحليل والتركيب.
سابعا – استمد الوردي من المدرسة الالمانية (كارل مانهايم) مفاهيم اساسية لتفسير تنوع انماط المعرفة حبيسة التنظيمات الاجتماعية، مثلما استمد من مانهايم قواعد نظرية لدراسة الدولة الحديثة. الأهم في ذلك هو اعتماد مبدأ النسبية المعرفية الذي يشكل اليوم اساس فكر ما بعد الحداثة. اما فرديناند تونيس فقد استمد الوردي منه (على نحو غير مباشر – اعتمادا على ماكايفر صاحب مفهوم التناشز الثقافي والتصادم الثقافي) افكار التمايز والتضاد بين المجتمع التقليدي والمجتمع الحديث (الصناعي). الاول، حسب تونيس، منظم في جماعات، والثاني منظم في مجتمع كبير. في الاول ثمة علائق حسية مباشرة، واحساس بالمكان (الجغرافي والاجتماعي)، والانتماء، واعتماد تقاليد ثابتة، تسيطر فيها العائلة والكنيسة (الدين). اما في الثاني فتسود العلائق اللاشخصية، والمصالح الاقتصادية، والتنافس على الموارد، في حراك متصل، متغير يربأ بالثبات. لكن الوردي حبس التضاد بين الحداثة والتقليد في قفص البداوة والحضارة الخلدونية، علما ان حضارة ابن خلدون شأن بداوته تنتمي الى العالم ما قبل الحديث.
ثامنا – اخيرا ابتدع الوردي في هذه الرحلة طريقا ثالثا للخروج من اسار الفكر القومي المتزمت، او قواعد الفكر اليساري في صيغته المتحجرة. ولم يكن من باب المصادفة ان يدعو الى مجتمع يعتمد الليبرالية السياسية.
كان يحرص على تفرده في مجتمع يبغض الفردية، وينفتح على كل النظريات في مجتمع يحول النظرية الى معتقد ديني، ويمضي في البحث وسط مؤسسات علمية خاضعة لجبروت الدولة، ومجردة من حرية التفكير والبحث الطليق.
هذا وحده اعجاز!
ولد علي الوردي في الكاظمية عام 1913 ونشأ وترعرع فيها وكان مولعا منذ صباه بقراءة الكتب والمجلات وقد اضطر الى ترك المدرسة ليعمل في دكان والده، ثم للعمل صانعا عند عطار المحلة، ولكنه طرد من العمل لانه كان ينشغل بقراءة الكتب والمجلات ويترك الزبائن. ثم عاد الى المدرسة واكمل دراسته واصبح معلما. كما غير زيه التقليدي عام 1932 واصبح افنديا .وفي عام 1943 ارسلته الحكومة العراقية الى بيروت للدراسة في الجامعة الامريكية، كما حصل على شهادة الماجستير وكذلك الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة تكساس الاميركية .وبعد عودته الى العراق عمل في قسم الاجتماع في جامعة بغداد حتى تقاعده عام 1970. وتوفى في بغداد في 13 تموز عام 1995. كتب الوردي ثمانية عشر كتابا ومئات البحوث والمقالات. خمسة كتب منها قبل ثورة 14 تموز اي في العهد الملكي1958 وكانت ذات اسلوب ادبي -نقدي ومضامين تنويرية جديدة وساخرة لم يألفها القارىء العراقي
اما الكتب التي صدرت بعد ثورة 14 تموز فقد اتسمت بطابع علمي ومثلت مشروع الوردي لوضع نظرية اجتماعية حول طبيعة المجتمع العراقي وفي مقدمتها دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ومنطق ابن خلدون ولمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث في ثمانية اجزاء. .فهو كتب جميع كتبه في وقت سيطرة الفكر اليساري على المجتمع العراقي مع بروز الفكر القومي والديني وقد حافظ في جميع كتبه على مسافة واحدة من جميع الافكار السياسية والايديولوجيات وهو في جميع ماالف وكتب لم يتملق ولم يداهن وكان وفيا للمنهج الذي اختطه لنفسه. ابتدء في دراسة طبيعة المجتمع العراقي حسب نظرية استقاها كما يقول تللاميذه الحيدري من ثلاث مصادر الاولى بعالم الاجتماع الامريكي مكيفر، والثانية بالعالم العربي المشهور " ابن خلدون" والثالثة بعالم الاجتماع الامريكي اوجبرن.
منطلقا من قيم الحضارة والبداوة في المجتمع العراقي تلك القيم التي اثرت كثيرا في شخصية الفرد العراقي وطبعته بازدواج الشخصية فتارة يكرم الضيف واخرى ينهب وتارة يدعو الى الخير واخرى يقتل ويسرق . امثلة بسيطة وشعبية ليعزز منهجه التاريخي في البحث وحينما عاب عليه البعض خلو كتبه من الاحصاء حسب الطريقة الامريكية التي درس وتتلمذ في جامعاتها ردهم قائلا ان المجتمع العراقي غير المجتمع الامريكي فما زال الخوف قائما من الافندي الذي يحمل قلما ودفترا وتساءل كيف اوجه سؤال لمجتمع تنخر الامية والتقاليد البالية فيه لذلك اثر اتخاذ المنهج الجديد الذي انفرد به .
ولم يكن الوردي في دراسته عن المجتمع العراقي سوى باحث عن القوانين التي صيرت المجتمع العراقي مختلفا عن باقي المجتمعات العربية والمجاورة له كان يبحث كثيرا عن اسباب الجدل العراقي حتى لقب العراق ببلد الشقاق والنفاق بالرغم من انها صفات غير اصيلة في المجتمع العراقي ومن العوامل المهمة لهذا الصراع ميل اهل العراق الى "الجدل"، الذي طبع التراث الفكري في العراق "بطابع مثالي" بعيدا عن الواقع الملموس فعلا، ولهذا ظهرت هوة بين التفكير وبين الممارسة العملية.
ادرك الوردي ان المجتمع العراقي يحتاج الى تفاهمات بين الاثنيات المختلفة للحكم وان الطريق الوحيد لبناء مجتمع جديد هو الديمقراطية التي يعدها الوردي العلاج الوحيد لمشاكل العراق.
ملحق عراقيون التي تصدره المدى اولى اعداده يسعى لان يسلط الضوء على شخصيات عراقية ساهمت في بناء ثقافة وحضارة هذه البلد.. ولعل علي الوردي واحدا من ابرز هذه الشخصيات.